بيئةتحقيقاتخبر عاجل

لبنان في قلب العطش الزراعي.. والترشيشي: الجفاف يقضي على المحاصيل والمزارعون يصرخون… ولا من يسمع

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

لبنان في قلب العطش الزراعي.. والترشيشي: الجفاف يقضي على المحاصيل والمزارعون يصرخون… ولا من يسمع

تحقيق خاص – مناشير

في قلب البقاع، وبين سهول عكار وجنوب لبنان، تتكرر المشاهد ذاتها: حقول شبه يابسة، مزارعون يراقبون بقلق تراجع مياه الآبار والينابيع، وسماء لم تمطر كما يجب. لبنان، الذي لطالما عُرف بغناه النسبي بالمياه، يدخل رسميًا في مرحلة الجفاف الزراعي الخطير، حيث تشير الوقائع إلى أزمة وجودية تهدد ما تبقى من الأمن الغذائي في البلاد.

جفاف مبكر وخسائر بالجملة

رغم أن الصيف لم يبلغ ذروته بعد، إلا أن ارتدادات الجفاف ظهرت مبكرًا. فوفق ما تؤكده مصادر زراعية وميدانية، فإن المياه السطحية والأنهار والينابيع شهدت تراجعًا غير مسبوق، في وقت بدأت فيه الآبار الجوفية تنضب بوتيرة مقلقة، ما جعل الريّ مهمة شاقة أو باهظة الكلفة.

وكانت زراعة القمح من أكثر القطاعات تضررًا، وهي التي كانت تعوّل عليها الدولة وبعض المنظمات الدولية لدعم سلة الغذاء في ظل الانهيار الاقتصادي.
في حديث خاص لـ”مناشير”، قال إبراهيم الترشيشي، رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين في لبنان: “نواجه أزمة ثلاثية الأبعاد: مناخية، سياسية، واقتصادية. المياه تتراجع بسرعة، الكلفة ترتفع بجنون، والأسواق مغلقة. لا يوجد أي دعم رسمي. وكأننا نُترك لمصيرنا”. بدءً من الحرب الاخيرة وارتداداتها مروراً بالجفاف وصولاً الى كساد بسبب الاسواق المغلقة امام الانتاج اللبناني…

“نواجه أزمة ثلاثية الأبعاد: مناخية، سياسية، واقتصادية. المياه تتراجع بسرعة، الكلفة ترتفع بجنون، والأسواق مغلقة. لا يوجد أي دعم رسمي. وكأننا نُترك لمصيرنا”. بدءً من الحرب الاخيرة وارتداداتها مروراً بالجفاف وصولاً الى كساد بسبب الاسواق المغلقة امام الانتاج اللبناني…

وأضاف:”كنا ننتج من الدونم الواحد بين 400 إلى 500 كيلوغرام قمح. هذا العام، 200 كيلوغرام. خسرنا نصف تعبنا ونصف خبزنا”.

وبحسب رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين، فإن هذا التراجع طال نحو 120 ألف دونم زُرعت بالقمح هذا الموسم، ما يُنذر بعجز كبير في الكميات المنتجة محليًا، وزيادة خطرة في الاعتماد على الاستيراد، إذا توافرت الأموال أصلاً.


البطاطا في مهبّ الريح: أزمة مزدوجة

أما زراعة البطاطا، فواجهت ما وصفه الترشيشي بـ”الضربة القاضية”. فإلى جانب الحاجة الكبيرة للري، واجه المزارعون صعوبة كبرى في تحمّل كلفة تشغيل الآبار: “نزرع لنرمي! السوق الداخلي لا يتحمّل، والتصدير البري مقفل. أما البحري فمكلف ولا يتناسب مع الزراعات الموسمية”، قال الترشيشي بأسى.

“نزرع لنرمي! السوق الداخلي لا يتحمّل، والتصدير البري مقفل. أما البحري فمكلف ولا يتناسب مع الزراعات الموسمية”، قال الترشيشي بأسى.

وأشار إلى أن منع عبور المنتجات الزراعية اللبنانية إلى دول الخليج، وخصوصًا السعودية، عبر الطرقات البرية، أدى إلى تكدّس الإنتاج، انهيار الأسعار، وتوقف التصريف في السوق المحلي.


الترشيشي يطلق ناقوس الخطر

ويحذّر رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين من أن كلفة الري تجاوزت كل الحدود. فكلما كانت المياه الجوفية أعمق، كانت الكلفة أكبر. ويقول:”المزارع يروي مزروعاته بما يشبه المازوت السائل. مزارع القمح مثلًا يعتمد على أمطار آذار، لكنه اضطر هذا العام لتشغيل المضخات خمس مرات، ما رفع كلفة الري للدونم، وفي المقابل، تراجعت الإنتاجية بنسبة 50%”.

“المزارع يروي مزروعاته بما يشبه المازوت السائل. مزارع القمح مثلًا يعتمد على أمطار آذار، لكنه اضطر هذا العام لتشغيل المضخات خمس مرات، ما رفع كلفة الري للدونم، وفي المقابل، تراجعت الإنتاجية بنسبة 50%”.

ويضيف: الوضع إذا استمر على ما هو عليه، فسنشهد خروج آلاف المزارعين من دورة الإنتاج، وتحولهم إلى عاطلين عن العمل أو مهاجرين. أما الخوف الأكبر، فهو على الأشجار المثمرة، التي تشكل ثروة وطنية مهددة، وإذا أصابها الجفاف، نحتاج لعشرات السنين لإعادة زراعتها”.


الدولة غائبة… والسياسات عاجزة

ويأسف الرئيس الوطني للفلاحين لكون الأزمة المتفاقمة لا تُواجه بأي خطة طوارئ رسمية. فلا توجد سياسات ري بديلة، ولا دعم للمازوت، ولا حتى برامج تحفيزية لتشجيع الزراعات المقاومة للجفاف. “في الوقت الذي تستثمر فيه دول العالم في أنظمة ري حديثة ومعالجة مياه الصرف الصحي للزراعة، لا يزال لبنان عاجزًا عن تأمين حتى الحد الأدنى من الدعم، ولو لصيانة شبكات الري أو تأمين المازوت للمزارع”.

ما العمل؟ حلول عاجلة على الطاولة

في ظل الواقع المتأزم، يقترح الترشيشي سلسلة من الخطوات العاجلة، منها:

  1. إعلان حالة طوارئ مائية وزراعية وطنية.
  2. وضع خطة عاجلة لحماية الأشجار المثمرة من الجفاف، لأنها تمثل استثمارًا طويل الأمد لا يُعوّض.
  3. إعلان طوارئ أمنية وبلدية لمنع استخدام مياه الصرف الصحي في الري.
  4. تقديم دعم مباشر للمزارعين، خاصة في المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والبطاطا.
  5. توسيع التعاون مع المنظمات الدولية لدعم مشاريع ريّ مستدامة وتمويل صيانة الشبكات.
  6. التحرك الدبلوماسي لإعادة فتح معابر التصدير البري، وخصوصًا مع دول الخليج.
  7. إطلاق حملات توعية وتشجيع الزراعة المقاومة للجفاف، مثل زراعة الشعير ونباتات أقل استهلاكًا للمياه.

وأخيراً لبنان لا يواجه أزمة مناخية فقط، بل أزمة وجودية تهدد الأرض، الفلاح، والخبز. وإذا لم تبادر الدولة سريعًا بخطة إنقاذ زراعي، فإن ما يُزرع اليوم… لن يُزرع غدًا. وقد يأتي موسم، لا نجد فيه من يزرع أصلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى