كيف نحقق الاستقلال الحقيقي للبنان!؟

جميل الحسيني – مناشير
أعلنت قوات الاحتلال الفرنسي في 22 تشرين الثاني / نوفمبر 1943 عزمها على الجلاء عن لبنان، ولكنه كان في الواقع إعلاناً صورياً فقد حصل الجلاء الفعلي في 31 كانون الأول / ديسمبر 1946 أي بعد ثلاث سنوات، فما الذي حصل في هذه الفترة الفاصلة بين الزمنين!؟
من نافل القول إن الفرنسيين وطأوا بجنودهم الأرض اللبنانية بذريعة محاربة الماريشال فيليب بيتان العميل الألماني الذي حكم فرنسا الفيشية بعد الحرب العالمية الثانية، ونجح الجنرال شارل ديغول “قائد المقاومة الفرنسية” في طرد القوات الفيشية، ولكنه قرّر إبقاء قواته في لبنان بذريعة الحفاظ على الأمن القومي الفرنسي!! رفض الشعب اللبناني الاحتلال الجديد وخاضوا ضده مواجهات استمرت بين عامي 1943 و1945، وارتكب الفرنسيون خلال هذه المرحلة مجازر عديدة بحق الثوار اللبنانيين.
ارتأت بريطانيا مشاركة الفرنسيين احتلالهم لبنان “لتحقيق التوازن الاستعماري” نظراً لموقعه الفريد كبوابة تضمن مصالحهما الجيوستراتيجية في المنطقة كلّها، إلى جانب إطباق الاحتلال على كل من سوريا وفلسطين. واتفقت الحكومتان الفرنسية والانكليزية على عدم الخروج من لبنان إلا بعد تشكيل نظام موالٍ لهما وتثبيت مفاعيل اتفاق سايكس – بيكو، وربط كل طرف انسحابه بانسحاب الآخر؛ وأمام إصرار الشعب اللبناني على نيل الاستقلال اشترطت باريس تقييد لبنان باتفاقيات تبعية استراتيجية وثقافية واقتصادية، بالتوازي مع تأسيس تركيبة زعامتية طائفية مرتبطة بالحكومة الفرنسية وتعمل بتوجيهاتها وتنفّذ أجنداتها الاستعمارية.
وللأسف فإن هذه الحال ما تزال تضرب لبنان بمفاصله المختلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية تأسيساً على حالة التشرذم التي أرستها الاحتلالات الماضية، مع العلم بأن الشعب اللبناني أظهر في كثير من المحطات قدرته على نزع ربقة التبعية باتباعه أسلوب الانكماش الداخلي في أبعاده الإيجابية، ففي كل مرة اقترب لبنان من حافة الانهيار كانت أطراف وطنية تتداعى للقاء والتلاقي حفاظاً على تماسك البلد والنظام فيه دون انتظار موقف الدولة التي غالبا ما كانت تنحو باتجاه الرضوخ لقوى الاستعمار واللجوء الى المجتمع الدولي بحجة افتقاد القدرة على المواجهة، مع يقينها بأن هذا المجتمع نفسه بدوله الكبرى هو الذي يشرّع نهج الهيمنة على الشعوب والأنظمة في المنطقة.
لم تكن القوى الكبرى في أي وقت عاملاً ضامناً لاستقلال الدول في المنطقة بل عملت وما تزال على إيجاد عناصر الصدام بين مكوّنات النسيج الداخلي لهذه الدول، وهي انتقلت من سياسة الاستعمار المباشر المكلف بشرياً ومادياً لها إلى سياسة الهيمنة المقنّعة عبر إخضاع الأنظمة بقيود سياسية واقتصادية ونشر القواعد العسكرية بذريعة حماية هذه الانظمة فيما هي في الحقيقة اداة قمع تخوّف بها الشعوب.
ويكفي أن ننظر في دائرتنا الصغرى الى واقع الحال في لبنان وسوريا وفلسطين واليمن والعراق لنتبين معالم سياسة التمزيق التي تمارسها الولايات المتحدة واوروبا لابقاء المنطقة في حال احتراب داخلي دون استقرار، اما بالنسبة لدول الخليج فقد حمل العدوان الاسرائيلي على قطر انذاراً خطيراً زعزع غطاء الحماية الامريكية عن هذه الدول، فرأينا السعودية تتجه إلى عقد اتفاقات استراتيجية مع باكستان مع استمرارها في سياسة الباب المفتوح مع كل من روسيا والصين، وهذا يؤشر الى احتمال سير باقي الدول الخليجية في الخيار نفسه انسياقاً مع الاتجاه السعودي.
ولا يختلف هذا الوضع في دول شمال أفريقيا من مصر إلى المغرب حيث تشهد تهديدات مباشرة بأكثر من وجه ومستوى تطال استقرارها بما يوحي باستعادة واشنطن انتهاج سياسة “الفوضى البناءة” لإسقاط كل الدول المنتشرة على خارطة العالم العربي خدمةً لمشروع “إسرائيل الكبرى”. ولا يخرج لبنان عن دائرة هذا التوجه الغربي التدميري بما يحفل به من تنازعات داخلية ترتدي الطابع المذهبي فيما يذهب البعض للاستقواء بالخارج الأمريكي والاسرائيلي على الشركاء في الوطن غير عابئ بتأثير ذلك على مستقبل البلد ومصيره.
لا شك في أن لبنان يواجه تحديات كبرى تطال وجوده في ظل النزق الاسرائيلي الجامح لتغيير خارطة المنطقة ما يستدعي استنفاراً شاملاً للقوى السياسية والثقافية والاجتماعية الحية التي ما تزال تؤمن بلبنان الواحد المحتضن لكل أبنائه، وتنادي ببناء الدولة الجامعة المستندة على إرادة الشعب الحرّة في رفض أي احتلال جديد لا سيما أن تلاحم هذا الشعب مع الجيش والمقاومة أفضى إلى تحرير لبنان وتحصينه، ومن شأن استحضار هذا الزخم من جديد أن يقف سدا منيعا أمام الاجتياح الامريكي – الاسرائيلي الحالي، وهذا لا يكون إلا بالعودة إلى التلاقي والعودة الى الذات اللبنانية وتجاوز حدود الانتماءات الطائفية والمذهبية ليبقى لبنان الواحد لكل أبنائه باستقلال حقيقي وليس بجلاء وهمي.



