سوريا تدخل عصر النهضة: مفتاح محمد بن سلمان نحو شرق أوسط جديد

بقلم غصوب جراح
بدأت ملامح النهضة السورية تتبلور تدريجيًا من خلال هوية بصرية جديدة، وتوجهات محلية ودولية تصب في خانة التقدّم، والازدهار، واستعادة المكانة الدولية لسوريا. نهضة تتناغم مع ملامح شرق أوسطي جديد، لطالما نادى به الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وتسعى المملكة العربية السعودية، بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى تجسيده واقعًا في المنطقة.
من الاجتماع الثلاثي إلى رفع العقوبات الأميركية وسقوط “قانون قيصر”، ومن العودة إلى الحضن العربي، وعودة الحضن العربي إلى سوريا، بدأت شرارة إعادة الإعمار الشامل والانفتاح على المجتمع الدولي.
لقد وُضع الوقود في قطار النهضة السورية، وبدأ انطلاقه من دمشق — العاصمة الأقدم في التاريخ — ليشق طريقه نحو العالم، بدفع أساسي من الوقود السعودي، الذي شكّل حجر الأساس في هذه الانطلاقة.
في يناير 2025، شكّل اجتماع الرياض حول سوريا نقطة تحوّل بارزة، بمشاركة عربية وغربية فاعلة، كانت بوابته الرئيسية رفع العقوبات، وفتح الباب واسعًا أمام مشاريع إصلاح سياسي واستقرار اقتصادي.
وهنا، برزت المملكة العربية السعودية كأول من بادر إلى تحويل الأقوال إلى أفعال، واضعة الأساسات الجديدة لسوريا الإقليمية.
ومن الاجتماع الثلاثي الذي ضمّ الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع، إلى قرار ترامب برفع العقوبات الأميركية من أرض المملكة، كانت لحظة التصفيق الحار في القاعة لحظة تاريخية، وعلامة فارقة في مسار الحياة السياسية السورية.
وقد عبّر ترامب لاحقًا عن إعجابه بالرئيس الشرع، واصفًا إياه بـ”القائد الشجاع القادر على قيادة بلاده نحو الطريق الصحيح”.
في الوقت نفسه، لعبت السعودية وقطر دورًا محوريًا في إعادة تفعيل المؤسسات المالية ودعم البنية التحتية السورية، عبر تسوية الديون المستحقة للبنك الدولي، ما أتاح لدمشق استعادة مؤهلاتها للحصول على المنح، والمساعدات الدولية، وتنفيذ برامج اجتماعية تنموية كانت معلقة لسنوات.
ولم تكن هذه الخطوات سوى جزء من استراتيجية سعودية متكاملة، هدفت إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات والتأثير في المنطقة من خلال الاستثمار في الاستقرار لا الفوضى، وفي التنمية لا النزاع. لقد رأت المملكة في سوريا الجديدة فرصةً لا لتعويض ما فات، بل لتسريع مسار تحويل الشرق الأوسط إلى بيئة آمنة، منتجة، ومتصلة بالعالم.
ومن خلال تحركاتها الذكية — سياسيًا وماليًا — استطاعت الرياض أن تستعيد دورها الريادي في صياغة المعادلة الإقليمية، بل وأن تجعل من سوريا منصة يمكن الانطلاق منها لتحقيق أهداف أبعد، تتقاطع مع رؤية 2030، ومع حلم بن سلمان في بناء شرق أوسط مزدهر يشبه أوروبا في استقراره، وفرصه، وواقعه.
ولا شك أن سقوط نظام الأسد — أو بالأحرى، غروب النظام الأمني الحديدي الذي حكم سوريا لعقود — شكّل الفرصة الذهبية لمحمد بن سلمان لتحقيق رؤيته الطموحة، تلك التي أعلن عنها في عام 2018 خلال مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” في الرياض، حين قال:
“أعتقد أن أوروبا الجديدة هي الشرق الأوسط… هذه حربي، ولن أتوقف حتى أراها تتحقق.”
وهكذا، لم يعد الشرق الأوسط رهينة لمحور المقاومة أو الاستقطاب العقائدي، بل بدأ يتحول تدريجيًا إلى منصة للتكامل الاقتصادي، والانفتاح الثقافي، والتنمية العابرة للحدود — وهي كلها عناصر جوهرية في رؤية 2030.
اليوم، تبدو سوريا الجديدة، بكل تعقيداتها، مستعدة أكثر من أي وقت مضى للاندماج في منظومة إقليمية أكثر اعتدالًا، وأكثر قدرة على التفاعل مع تحديات القرن الحادي والعشرين، لتتحول من ساحة صراع، إلى جزء فاعل من مشروع النهضة العربية الحديثة.



