سلطة الكباش: عندما يصبح التوافق شعاراً والقرار موزعاً بين الداخل والخارج – أسامة القادري

أسامة القادري
يكشف الخلاف الأخير بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع أن السلطة التنفيذية في لبنان لا تتحرك ضمن رؤية سياسية متماسكة، بل تبدو في كثير من الأحيان أسيرة توازنات متناقضة، تتقدم فيها الحسابات السياسية والصلاحيات على أي تصور موحّد لإدارة الدولة.
ولعل الأخطر في هذا المشهد أن التباين لا يقتصر على علاقة وزير برئيس حكومته، بل يعكس في العمق أزمة أوسع داخل رأس السلطة التنفيذية، وتحديداً بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. فعند كل محطة مفصلية، يظهر هذا التباين بصورة أو بأخرى، وكأن التوافق الذي يفترض أن يحكم عمل المؤسسات يتحول إلى تسويات مؤقتة لا تصمد طويلاً أمام الملفات الحساسة.
في التعيينات الأمنية، ظهر الخلاف. وفي ملف حاكمية مصرف لبنان، برزت موازين القوى بوضوح، وانتهى المسار بما اعتُبر تقدماً لمصلحة الثنائي الشيعي ورئاسة الجمهورية. واليوم، يتكرر المشهد مع قانون العفو العام: أُقر القانون، لكن لم تتحقق كل الغايات السياسية التي رافقت النقاش حوله، وبقيت قضية الأسرى والموقوفين في دائرة التجاذب.
المسألة هنا تتجاوز كل ملف على حدة. فحين تتكرر الخلافات عند كل استحقاق أساسي، يصبح السؤال مشروعاً حول طبيعة السلطة نفسها: هل نحن أمام حكومة تتخذ قراراتها وفق رؤية مشتركة، أم أمام مجموعة مراكز قوى تتقاطع أحياناً وتتصادم أحياناً أخرى؟
من التوافق إلى الكباش
المشهد السياسي اللبناني لطالما قام على التسويات، لكن التسوية شيء، وتحويل إدارة الدولة إلى عملية شد حبال دائمة شيء آخر.
فالتوافق السياسي، في الأنظمة التعددية، يمكن أن يكون وسيلة لحماية الاستقرار ومنع الانقسام. أما عندما يصبح كل قرار نتيجة مواجهة بين الصلاحيات وموازين القوى، فإن المؤسسات تتحول تدريجياً إلى ساحات لتثبيت النفوذ.
وهذا تحديداً ما يثير القلق في المرحلة الراهنة. فبدلاً من أن تكون المؤسسات الدستورية إطاراً لحسم الخلافات، يبدو أحياناً أن الخلافات نفسها هي التي تعيد رسم حدود عمل المؤسسات.
رئيس الجمهورية يريد تثبيت موقع الرئاسة ودورها، ورئيس الحكومة يتمسك بهامش صلاحياته، والوزراء يتحركون ضمن حسابات سياسية لا تنفصل عن القوى التي أتت بهم. وبين هؤلاء جميعاً، تبقى الدولة مطالبة باتخاذ قرارات سريعة في مرحلة شديدة الحساسية.
العفو العام نموذجاً
قانون العفو العام يشكل نموذجاً واضحاً لهذه المعضلة.
فالقانون لم يكن مجرد تشريع عادي، بل ملفاً يحمل أبعاداً سياسية وقضائية واجتماعية وأمنية. لذلك، فإن الخلاف حوله لم يكن محصوراً في صياغة قانونية، بل ارتبط أيضاً بسؤال أكبر: من يملك قرار فتح هذا الملف، ومن يحدد المستفيدين منه، ومن يتحمل تبعاته السياسية؟
والنتيجة جاءت شبيهة بالكثير من التسويات اللبنانية: قانون خرج إلى العلن، لكن الملفات الأساسية التي كان يُفترض أن يعالجها بقي بعضها عالقاً. وهنا يصبح السؤال ليس فقط ماذا أقرّ مجلس النواب، بل ماذا نفذت السلطة فعلياً بعد الإقرار؟
أين الإرادة الداخلية؟
في خلفية هذا المشهد سؤال أكثر حساسية يتعلق بالدور الخارجي.
لبنان لم يكن يوماً بعيداً عن التأثيرات الإقليمية والدولية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه التأثيرات من عامل ضغط إلى إطار يرسم حدود القرار الداخلي.
وهنا يبرز ضعف النقاش العام حول حقيقة ما يجري داخل السلطة. فالإعلام، في كثير من الأحيان، ينشغل بالخلافات الظاهرة وبالتصريحات المتبادلة، لكنه لا يذهب بعيداً في البحث عن مصالح القوى المختلفة أو عن الجهات التي تستفيد من إبقاء هذا التوازن الهش قائماً.
والأخطر أن غياب هذا النقاش يسمح بترسيخ انطباع بأن الخلافات الداخلية مجرد خلافات شخصية أو دستورية، بينما قد تكون في جانب منها انعكاساً لتقاطعات أوسع تتجاوز حدود المؤسسات اللبنانية.
هل يتكرر سيناريو العهود السابقة؟
التجربة اللبنانية تقدم أكثر من نموذج على قدرة الخارج على التأثير في مسار العهود.
وفي مراحل سابقة، وصل هذا التدخل إلى مستوى ساهم في إضعاف عهود كاملة وتعطيل حكومات، ومنها مرحلة الرئيس ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري. والمفارقة أن الرجلين كانا، في بداية العهد، حليفين في أكثر من ملف، قبل أن تتحول العلاقة إلى صراع سياسي مفتوح.
اليوم، تبدو الصورة مختلفة في الشكل، لكنها تحمل بعض العناصر نفسها: توازنات داخلية هشة، ضغوط خارجية، وصراع على الصلاحيات والقرار.
لكن المقارنة لا تعني بالضرورة أن السيناريو نفسه سيتكرر. فالمشهد الإقليمي تغير، وتركيبة السلطة تغيرت، كما أن القوى السياسية اللبنانية تعيد تموضعها باستمرار وفق التحولات المحيطة بها.
دولة أم ساحة تفاوض؟
المشكلة الأساسية ليست أن يختلف رئيس الجمهورية مع رئيس الحكومة، أو أن يختلف وزير مع رئيس حكومته. الخلاف في حد ذاته طبيعي في الحياة السياسية.
المشكلة عندما يصبح الخلاف هو الآلية التي تدار من خلالها الدولة.
فالدولة القوية ليست الدولة التي لا يختلف مسؤولوها، بل الدولة التي تملك مؤسسات قادرة على حسم الخلافات ضمن الدستور والقانون، من دون أن يتحول كل استحقاق إلى معركة نفوذ.
أما إذا بقيت الملفات الكبرى تُحسم بمنطق التسويات المتأخرة، أو نتيجة ضغط داخلي أو خارجي، فإن السلطة ستبقى عاجزة عن تقديم نفسها كسلطة قرار.
وهنا تكمن خطورة المرحلة: ليس السؤال من انتصر في الخلاف الأخير، ولا من ربح ملف التعيينات أو حاكمية مصرف لبنان أو العفو العام، بل من يملك فعلياً القدرة على اتخاذ القرار في لبنان؟
إذا كانت الإجابة لا تزال موزعة بين مراكز القوى الداخلية وحسابات الخارج، فإن المشكلة ليست في خلاف سياسي عابر، بل في طبيعة النظام الذي يدير الدولة نفسها.
فالسلطة التي تتحدث كثيراً عن التوافق، بينما تخوض عند كل محطة أساسية كباشاً على الصلاحيات والقرار، قد لا تكون سلطة توافق بقدر ما هي سلطة توازنات. وفي لبنان، حين يصبح التوازن بديلاً عن القرار، يصبح الخارج أكثر قدرة على ملء الفراغ الذي يتركه الداخل.