خبر عاجل

رحيل حبيب صادق… الأيقونة الجنوبية

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

رحيل حبيب صادق… الأيقونة الجنوبية

محمد حجيري
رحل النائب السابق والمثقف حبيب صادق(1932 – 2023)، مؤلف لأكثر من عشرة كتب في الأدب والسياسة والشعر، بالإضافة إلى اشتراكه في الكثير من الدراسات التي نظّمها وأصدرها المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، وقد اهتمّ صادق بجمع التراث الشعري والأدبي العاملي، وأشرف على مجموعة من الإصدارات تحت عنوان “تراث عاملي”.

أمضى حبيب صادق، الجنوبي والعاملي والناشط اليساري، طفولته في بلدته الجنوبية الخيام، وانتقل إلى النبطية. اضطر، منذ يفاعته، للعمل من أجل كسب دخل يساعد الأسرة إثر وفاة الوالد، فعمل على النورج لتنعيم قمح البيدر، وغير ذلك من الأعمال. والده الشيخ والخطيب البارز والشاعر عبد الحسين صادق، رحل وحبيب لا يزال في الصفوف الابتدائية. وفي “حوار أيامه” مع الإعلامي طانيوس دعيبس (دار الفارابي)، يذكر صادق انتفاء العلاقة بوالده الذي كان منهمكاً بمسؤولية المشيخة الشيعية.

يقول صادق: “لا أذكر أني جالست أبي الشيخ إلى مائدة طعام في أي يوم من الأيام! لا أذكر أنه استدعاني يومًا وسألني عن حالي، عن كتبي ودفاتري وعن مستوى دراستي! لا أذكر أني تلقيت، منه، هدية من تلك الهدايا التي تقدم إلى الأطفال في مناسبات سعيدة. لا أذكر أنّه دخل علينا، يومًا، الحجرة المخصّصة لنا، في الدار الكبيرة، للوقوف على حالنا والإطمئنان إلى عيشنا. من هنا أراني، حزينًا، بالغ الحزن، إذ أُكره نفسي على القول: أنه لولا الصورة الشمسية المعلّقة على أحد جدران الحسينية في النبطية، لكنت أجهل خلق الله بمعرفة ملامح وجهه البادية، في الصورة…”. لكن العلاقة “الفاترة” بين الشيخ المتدين وابنه الأديب اليساري، لم تمنع الأخير من جمع أشعار والده في كتاب.

درس حبيب صادق في مدرسة رسميّة في المرحلتين الإبتدائية والتكميلية. وأكمل دراسته في دار المعلمين، وانتقل ليسكن في بيروت، وتحديداً في المصيطبة. بدأ التدريس في مدرسة الزلقا الابتدائية ومدارس أخرى، وواظب على حضور ندوات “الندوة اللبنانية”، و”النادي الثقافي العربي”، وأنشطة ثقافية في “المركز الثقافي السوفياتي”. اهتم أيضاً بالكتابة، فكانت أولى تجاربه الصحافية في جريدة “الأخبار” الشيوعية (وهي غير “الأخبار” الراهنة) كاتباً ومحرراً، كما كان يكتب باسم مستعار هو “أبو جلا” حرصاً على وظيفته الرسمية. وأول ما نشره من قصائد كان في مجلتي “الألواح” و”الثقافة الوطنية”.

انتسب إلى “المجلس الثقافي للبنان الجنوبي” (العام 1964، أي سنة تأسيسه) وصار رئيسه العام 1975 (بقي في منصبه حتى وفاته). نسج علاقات بكثيرٍ من الأدباء والمثقفين القادمين من الجنوب، مثل إملي نصر الله ومحمد دكروب وعبد اللطيف شرارة وسلام الراسي وبولس سلامة وحسن الأمين وجورج جرداق وعبد الرؤوف فضل الله ويوسف حوراني، وكانت علاقته الوطيدة مع الشيخ واللغوي عبد الله العلايلي. وصار اسمه مرتبطا بالمجلس الثقافي للبنان الجنوبي، ويقول صادق إنّ أهداف المجلس كانت لمّ شمل المثقفين في إطار تنظيم ديموقراطي مستقل وتعزيز الحركة الثقافية الجنوبية والبحث في الكتب والمخطوطات القديمة التي وضعها جنوبيون.

وترشح حبيب صادق للانتخابات النيابية العام 1968، ثم العام 1972 مدعوماً من “البيك” كمال جنبلاط والحزب الشيوعي اللبناني، في وجه “البيك” كامل الأسعد. لعل ملاحظته للفروق الطبقية العائلية والاجتماعية من حوله، دفعته اندفاعاً بديهياً في طريق الاشتراكية، لاعتقاده بأنها “طريق الخلاص”. وهو دائماً كان يحسب في خانة اليسار والحزب الشيوعي، وهذه العلاقة فيها شي من الرسوخ وشيء من الالتباس. فهو يساري من دون مواربة، لكنه لم يكن حزبياً، ومن خلال كتابه “حوار الأيام”، يعترف حبيب صادق بأنه أحسّ “بانكسار داخلي” بعد عرضه لرشوة طُلب منه أن يدفعها في براغ (تشيكسلوفاكيا الشيوعية) وهي علبتان من السجائر لا غير للموظفة المسؤولة عن استشفائه. يقول: “تساءلت بعمق: رشوة بعلبتين من السجائر لا أكثر في بلد إشتراكي”، كان ذلك في العام 1968.

ويقول الشاعر الراحل محمد علي شمس الدين، إن حبيب صادق أقرب ما يكون إلى عدد من المفكرين العامليين (نسبة الى جبل عامل – الجنوب اللبناني حالياً) ممن غادروا الجنوب في أربعينات وخمسينات القرن الماضي إلى العراق طلباً للعلم الديني في المدارس الدينية في النجف الأشرف، لكنهم سرعان ما تحولوا في ظل الحوزة الدينية هناك، من شيعة إلى شيوعيين، فخلعوا الجبة والعمامة ولبسوا زيّ المفكر الماركسي. ومن بينهم حسين مروة ومحمد شرارة، وهما الأبرز في هذا المجال. وحين عادوا من العراق إلى لبنان، إما طوعاَ أو كرهاً، عادوا ليبشروا بالفكر الماركسي الشيوعي بدلاً من الفكر الديني.

عاش حبيب صادق محطات نضالية واجتماعية كثيرة من الجنوب إلى بيروت. فهو تزوج من الاديبة الراحلة ديزي الأمير (1973–1975)، شارك في انتخابات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ليفوز بخمسة مقاعد (العام 1975 ضمن لائحة “التضامن الوطني”). تعرض لمحاولة اغتيال في 9 أيلول 1977 عقب دخول جيش النظام السوري الى لبنان، دُمّر منزله وجُرف في الخيام بعد الاجتياح الإسرائيلي الأول العام 1978. عاش لسنوات في المنفى في بغداد، ثم باريس، وفي منتصف الثمانينات، اصيب باللوكيميا، وعاش الصراع عشر سنوات مع المرض الفتاك، ما بين 1985 و1995، وخرج الرجل منتصراً في نهايته، كان يكافح المرض بالأكل النباتي.

شارك في الانتخابات النيابية العام 1992 مرشحاً في لائحة “حركة أمل” قبل أن يقع الخلاف بينهما في المجلس النيابي. في تلك المرحلة وحتى العام 2000، كان حبيب صادق مع مجموعة من الشخصيات السياسية (نسيب لحود، سمير فرنجية وغيرهما)، عنواناً للاعتراض السياسي في زمن الوصاية السورية والنظام الأمني السوري اللبناني، وكان جامعاً للكثير من الأصوات اليسارية والشيوعية في جنوب لبنان على مدى أكثر من دورة انتخابية. تبدو الصورة اليوم تشاؤمية اذ ما قارنّا بين الأمس واليوم، فالكثير من الاعتراضيين واليساريين عادوا إلى طوائفهم، أو التحقوا بموجة حزب الله، وعاش اليسار في مساره الانحداري، مع أن الانتخابات الأخيرة أفرزت نائبين من “قوى التغيير” في جنوب لبنان.

منذ العام 2005، التزم حبيب صادق الصمت واعتكف السياسة بشكل من الأشكال، اذ تعرّض اليسار لنكسة بسبب الانقسام الطائفي العمودي من جهة بين 8 و14 آذار، وهذا عدا عن التواطؤ بين جهابذة الفريقين المتحكمين في البلد على استبعاد واقصاء الشخصيات الشيعية المستقلة والمعترضة على ثنائي حركة أمل وحزب الله… في كتابه “في وادي الوطن” يقول صادق إن خيبات دفعته إلى اعتزال الممارسة السياسية والابقاء على المقاربات الثقافية، بعد فشل تجربة “المنبر الديموقراطي” الذي عصفت به “رياح التحالف الرباعي العاتية، إبان الانتخابات النيابية التي جرب عام 2005″، وسقوط “كل ما أجمع عليه المؤسسون الأوائل للمنبر، من مبادئ” وفق ما جاء في مقدمة الكتاب”.

ربما يكون السؤال الآن، عن مصير المجلس الثقافي بعد رحيل حبيب صادق، فهو على مدى سنوات كان مكاناً رائقا للأنشطة والندوات، الفكرية والسياسية والاجتماعية.

(*) يوارى حبيب صادق الثرى، الأحد في 2 تموز 2023، الساعة الثانية عصراً في جبانة مدينة النبطية (روضة الصالحين)، جنوب لبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى