الهجري يهوّد جبل العرب ويطلق “جبل الباشان”..

خاص مناشير
في تطور أثار موجة من الجدل على المستويين المحلي والسياسي، أعلن الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في السويداء، اعتماده رسميًا اسم “جبل الباشان” بدلًا من التسمية المعهودة “جبل العرب” أو “جبل السويداء”، في مخاطباته الموجّهة إلى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
الخطوة، التي وُصفت بأنها ذات “أبعاد رمزية حساسة”، فتحت الباب أمام تساؤلات جدية حول توقيتها ودلالاتها، لا سيّما في ظلّ التداخل المتزايد بين البعد الديني، والسياسي، والعسكري في الجنوب السوري.
فلطالما شكّلت تسمية “جبل العرب” رمزًا للهوية الوطنية السورية في الجنوب، وحافظت على مكانتها كمرجعية جغرافية وتاريخية تمثّل إرث المنطقة المقاوم. لكن اعتماد اسم “جبل الباشان”، بما يحمله من دلالات توراتية مرتبطة بالعهد القديم، أثار موجة انتقادات محلية اعتبرت التغيير “مسًّا بالهوية الوطنية”، ومحاولة لإعادة صياغة السرد الجغرافي والتاريخي للجبل بما يخدم أهدافًا غير بريئة.
يقول أحد وجهاء السويداء في حديث خاص:
“الاسم ليس مجرّد عنوان جغرافي، بل هو هوية كاملة. واللعب بالتسميات في هذا التوقيت يفتح الباب على مشاريع لا تعبّر عن انتماء الأهالي، بل عن سرديات دخيلة تُفرض من الخارج”.
الارتباط بعملية إسرائيلية: “سيف باشان”
ما زاد من حساسية الموضوع هو التزامن اللافت بين هذه التسمية وبين اسم العملية العسكرية التي أطلقتها إسرائيل في ديسمبر 2024 في الجنوب السوري، والتي حملت عنوان “Arrow of Bashan” (سيف باشان).
العملية، التي استهدفت مواقع عسكرية سورية، جاءت في سياق استراتيجي تسعى فيه إسرائيل إلى ترسيخ نفوذها الرمزي والعسكري على حدودها الشمالية، باستخدام أسماء توراتية لتغليف تحرّكاتها بغلاف ديني وتاريخي.
تحليلات سياسية ربطت بين تسمية الجبل بـ”الباشان” وتبنّي إسرائيل للاسم نفسه في عمليّاتها، معتبرةً أن ما يحدث هو محاولة مزدوجة لإعادة توجيه السرد الرمزي للمنطقة، والتشويش على الانتماء التاريخي السوري لها.
اللغة الدينية في خدمة السياسة؟
يُجمع عدد من الباحثين والمراقبين على أن استخدام الرموز الدينية والتوراتية في النزاعات الإقليمية لم يعد مجرد مصادفة، بل بات استراتيجية مقصودة.
فاللجوء إلى أسماء مثل “باشان”، في سياق توتّر وصراع، لا يُقرأ فقط كبادرة ثقافية أو تراثية، بل كمحاولة لتحويل الرمزية الدينية إلى أداة لإعادة تأطير المكان، بل وربما شرعنته مستقبلًا في سياقات تفاوضية أو احتلالية.
ويحذّر مراقبون من أن “تطويع اللغة” بهذا الشكل، خصوصًا في مناطق ذات حساسية طائفية وسياسية، قد يُستغل لاحقًا لتبرير سرديات تمهّد لطمس الهوية الوطنية، وربما خلق واقع رمزي جديد يتماشى مع مصالح فاعلين خارجيين.
رغم نفي الشيخ الهجري وجود أي خلفيات سياسية أو خارجية وراء استخدام الاسم، إلا أن القلق المحلي يزداد من أن تكون هذه الخطوة مدخلًا لـ”تهويد رمزي” للجبل، عبر إحلال لغة توراتية محلّ اللغة الوطنية في وصف الأرض.
وقد ربط معارضون هذه الخطوة بمحاولات متكررة لإعادة تشكيل الوعي الجغرافي والرمزي لدى سكان الجنوب، خاصة في ظل الفراغ الأمني والسياسي، وتنامي التدخّلات الإقليمية في شؤون المنطقة.
لا شكّ أن للقيادات الدينية الحقّ في التعبير عن رؤيتها الثقافية والروحية، لكنّ توقيت هذا التغيير، بالتزامن مع تصعيد عسكري إسرائيلي واستخدام مصطلحات دينية مشابهة، يجعل من المسألة أكثر تعقيدًا.
وفي ظل تصاعد خطاب الهوية والانتماء في سوريا عمومًا، تصبح التسميات ليست فقط انعكاسًا للواقع، بل وسيلة لإعادة تشكيله.
في النهاية، قد تبدو التسمية في ظاهرها خيارًا شخصيًا أو تراثيًا، لكنّها في واقع الأمر تمثّل ساحة جديدة للصراع على الهوية، وواجهة رمزية لصراع أعمق على الجغرافيا والانتماء.
“جبل العرب” ليس مجرّد اسم، بل جزء من ذاكرة وطنية ونضالية لشعب لم يغادر موقعه في الدفاع عن أرضه وهويته.
أما “الباشان”، فدخوله على الخطّ بهذه الطريقة، يجعل من الضروري مساءلة المصطلحات قبل أن تصبح سياسة أمر واقع.



