قمة “الناتو” وإعادة التموضع التركي – سعيد عيسى

د. سعيد عيسى
لم تكن قمة حلف شمال الأطلسي التي استضافتها أنقرة يومي 7و8 تموز/ يوليو 2026 مجرد اجتماع دوري، بل عكست تحولاً في نظرة الناتو للشرق الأوسط وفي موقع تركيا داخل الحلف. ففي ظل الحرب الروسية-الأوكرانية، وتداعيات المواجهة الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، والحرب الإسرائيلية المستمرة على غزة، لم يعد الشرق الأوسط ملفاً هامشياً في حسابات حلف شمال الأطلسي، بل أضحى جزءاً من معادلة الأمن الأوروبي. وفي هذا السياق استثمرت أنقرة في استضافة القمة وقدمت نفسها جسراً يربط بين أوروبا والشرق الأوسط، مستندة إلى موقعها الجغرافي وحضورها العسكري والسياسي والديبلوماسي المتنامي.
التحول
أعطى حضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب زخماً سياسياً لقمة أنقرة، خصوصاً عندما ربط مشاركته بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان بوصفه مضيفاً للقمة، في إشارة عكست تحسناً في العلاقات الثنائية بعد سنوات من التوتر بسبب منظومة “إس 400” الروسية واستبعاد تركيا من برنامج طائرات “إف 35”. كما تصدرت ملفات التعاون الدفاعي اللقاء بين الزعيمين، بما فيها بحث إعادة أنقرة إلى البرنامج وتوفير محركات أميركية للطائرة التركية “كاعان”، وعكست هذه الملفات رغبة متبادلة في إعادة بناء الثقة رغم استمرار بعض العقبات السياسية. كما أتى هذا الانفتاح في وقت عزّزت فيه تركيا صناعاتها العسكرية ورفعت نسبة الاكتفاء الذاتي منها إلى أكثر من 80%، وهو الأمر الذي منحها هامشاً واسعاً في سياساتها الخارجية. ورغم بقاء الخلافات مع بعض حلفائها داخل الناتو، سواء في شرق المتوسط أو في العلاقة مع روسيا، إلا أن التحولات الإقليمية دفعت حلف الناتو إلى التعامل مع أنقرة كشريك يصعب تجاوزه في إدارة أزمات الشرق الأوسط.
التموضع
أبرز ما كشفته القمة هو انتقال الشرق الأوسط من هامش أجندة الناتو إلى قلبها. فقد تصدرت المناقشات ملفات أمن الطاقة، والممرات البحرية، والهجرة غير النظامية والإرهاب، وأمن البحر الأسود والملف الإيراني، وهذه القضايا جميعها ترتبط مباشرة بالموقع التركي وبالسياسات التي تنتهجها أنقرة في جوارها الإقليمي. كما شهدت القمة مشاركة عدد من الدول الخليجية التي ناقشت في أمن الخليج والدفاع الجوي وأمن الطاقة، وهذا مؤشر على اتساع دائرة الحوار بين الحلف وشركائه في المنطقة. واكتسبت مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع أهمية خاصة، لأنها عكست إدراكاً متزايداً بأن مستقبل سوريا أصبح جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي التي يناقشها الحلف، وليس مجرّد ملف منفصل عن حساباته.
وبذلك لم تعد تركيا مجرّد دولة عضو في الناتو، بل باتت الدولة الأكثر قدرة على الربط بين أولويات الحلف ومتطلبات الشرق الأوسط. فهي تتحكم بمضائق استراتيجية، ولها علاقات مع أطراف يصعب على كثير من العواصم الغربية التواصل معها، وتمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً مباشراً في عدد من ساحات النزاع، من البحر الأسود إلى القوقاز ومن سوريا إلى ليبيا والبحر الأحمر وصولاً إلى السودان. وهذا يعني أن لديها أوراقاً تجعل تجاهلها صعباً، سواء من الحلف الأطلسي أو من القوى الإقليمية التي تتعامل مع شرق أوسط يعاد تشكيل موازين القوى فيه بصورة متسارعة.
الوساطة
إذا كانت قمة الناتو قد كرست تركيا لاعباً أساسياً داخل الحسابات الأمنية للحلف، فإنها أبرزت أيضاً الدور الذي ترسّخه بوصفها وسيطاً في الأزمات الإقليمية. فمنذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية، حافظت على قنوات اتصال مع موسكو وكييف في آنٍ معاً، وأسهمت في التفاهمات الخاصة بممر الحبوب عبر البحر الأسود، وأثناء التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، لعبت دوراً في احتواء المواجهة عبر المسار الديبلوماسي بالتعاون مع مصر والسعودية وباكستان وقطر، فيما اتخذت من الحرب في غزة منصة لتأكيد حضورها السياسي والإنساني، وانتقاداتها للسياسات والعمليات العسكرية الإسرائيلية. وهذا كله يعكس النجاح التركي في فرض تسويات ويكشف عن الحضور التركي في جميع الملفات المفتوحة بما فيها سوريا ولبنان والعراق. ومعنى ذلك أن أنقرة تدرك أن النفوذ في الشرق الأوسط لا يقاس فقط بالقدرة على استخدام القوة، بل بالقدرة على الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة عندما تتعطل الوساطات الأخرى، بالإضافة للقدرة على إدارة التوازنات دون الانحياز الكامل لأي محور.
لبنان
شكلت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى إسطنبول بعد ثلاثة أيام من اختتام قمة الناتو، أول اختبار عملي للدور الإقليمي الذي تسعى أنقرة إلى تكريسه. ففي ظل تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان، والاتفاق الإطار الموقع مع إسرائيل، ناقش الرئيس سلام والرئيس أردوغان إلى جانب ملفات الدعم السياسي والاقتصادي، مستقبل العلاقات اللبنانية التركية، ومستقبل مشاريع الطاقة وارتباط لبنان بقبرص واليونان ضمن ممرات تصدير النفط والغاز إلى أوروبا. وهذا الملف يكتسب أهمية خاصة بالنسبة لأنقرة، التي تنظر بعين الريبة إلى أي ترتيبات تعزّز ممرات طاقة تتجاوز الأراضي التركية، وتجعل من إسرائيل بوابة إلزامية لوصول موارد شرق المتوسط إلى الأسواق الأوروبية، وهو ما يفسر حرصها على تعزيز حضورها في النقاشات المتعلقة بمستقبل الطاقة في شرق المتوسط بالتوازي مع تأكيدها على دعم استقرار لبنان وتوسيع أفق التعاون الثنائي بين البلدين.
ليبيا
على الضفة الجنوبية للمتوسط، تكشف ليبيا وجهاً من وجوه التحول في السياسة التركية. فبعد سنوات من الاصطفاف الواضح إلى جانب حكومة طرابلس، بدأت أنقرة انتهاج سياسة أكثر براغماتية، قوامها فتح قنوات اتصال مباشرة مع الشرق الليبي، في محاولة لتوسيع نفوذها ليشمل مجمل القوى الليبية. لذلك جاء لقاء رئيس جهاز المخابرات التركي إبراهيم قالن مع صدام حفتر في بنغازي ليجسّد هذا التحول. فاللقاء وهو الأول على هذا المستوى، لم يقتصر على بحث الاستقرار الأمني، بل تناول مستقبل توحيد المؤسسات العسكرية والإدارية. والتقارب هذا، لم يكن وليد لحظة واحدة، بل سبقته خطوات متدرجة، من زيارة الفرقاطة التركية “قنالي أدا” إلى مدينة بنغازي، إلى الاجتماعات العسكرية التي جمعت مسؤولين من الشرق والغرب الليبي برعاية تركية، وصولاً إلى مشاركة قوات من الجانبين في مناورات “أفس-2026”. وتعكس هذه الخطوات انتقال السياسة التركية من إدارة الصراع إلى محاولة التأثير في ترتيبات ما بعده، وإقصاء القوى الدولية المنخرطة في الصراع.
ويحمل هذا الانفتاح على الشرق الليبي بعداً يتجاوز الداخل الليبي. فالاتفاقية الموقعة بين أنقرة وحكومة طرابلس سنة 2019 لا تزال بحاجة إلى مصادقة مجلس النواب في طبرق، وهو كان يرفضها سابقاً. ومع تطور التواصل بين أنقرة والشرق الليبي، تزداد التوقعات بتغيير مجلس النواب موقفه مما يمنح تركيا سنداً قانونياً أقوى يعزز موقعها في شرق المتوسط وفي معادلة الطاقة الإقليمية ويقطع الطريق على إسرائيل وقبرص واليونان. وفي الوقت عينه، تتعاطى بعض العواصم الغربية بإيجابية مع هذا التقارب باعتباره فرصة للحدّ من النفوذ الروسي في ليبيا.
تأسيساً على ما تقدّم، كشفت قمة أنقرة عن مرحلة جديدة في السياسة الخارجية التركية، تقوم على توظيف موقعها داخل الناتو لتعزيز حضورها الإقليمي الممتد من القوقاز والبلقان مروراً بالشرق الأوسط وصولاً إلى أفريقيا، بما يجعلها لاعباً يصعب تجاوزه. غير أن قدرتها على جعل هذا النفوذ مستدام رهن بمدى نجاحها في الموازنة بين التزاماتها الأطلسية وعلاقاتها الإقليمية، وبين طموحاتها الجيوسياسية وتعقيدات منطقة مترامية الأطراف تشهد عند كل منعطف تنافساً حاداً بين القوى الكبرى.



