خبر عاجلسياسةمقالات

طبع الوزير غَلَب تطبعه – أحمد جابر

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

طبع الوزير غَلَب تطبعه

 

أحمد جابر – مناشير

 

قصّة القطط التي تحمل الشموع لم تَصْمد طويلاً أمام امتحان مرور الفئران بين صفوفها، وفي حين أراد ملك القصّة الاستدلال من انضباط القطط على غلبة تطبّعها على طبعها، عاد وزير الملك ليثبت له “بفئرانه”، أن القطط الأنيقة المهذّبة، لا تلبث أن تستردّ سيرتها “القططية” الأولى. 

 

وزير الخارجية اللبنانية الذي عيّر محدثه “بالبداوة”، نطق تميّزاً واهماً، وأبدى استعلاءً تكوينياً، يعيش في عباءة خيالاته، تدحضه كل الوقائع المادية، الاجتماعية والأحفورية.

 

الفرد والمجموع:

والوزير الذي أبدى توتراً، ونَزَقاً يجافي الديبلوماسية المطلوبة في شخص من تقدمه السلطة إلى الخارج، ليس فرداً معزولاً في بيئته، بل عيّنة من عيِّناتها، وواحد من حَمَلة أفكارها، وناطق، عند الغضب، بحقيقة ما يدور في مجالسها.

 

الحقيقة اللبنانية التي ما زالت طَبْعاً، هي افتراق أبناء البنية على مفارق “الحضارات”، وهي حقيقة توزّعهم على بُنى لكل منها تاريخ فيه الكثير من الإدعاء، وعلى لهجات، تصير لغات مختلفة، عندما تسعى كل بنية إلى تأكيد ذاتها ضمن حيِّز تاريخي، وفوق رقعة جغرافية، وبين منطوق هو جزء من مكوّنات الهويّة.

 

بعد انقياد الوزير إلى طبعه، ينبغي القول أن هذا الانقياد الظاهر، له ما يماثله لدى وزراء آخرين، ومسؤولين عامّين، علناً، فيما يظلون شديدي الخصوصية في المجالس المحجوبة خلف الأستار.

 

قضايا التطبع:

ليس خافياً أن اللبنانيين تراشقوا بما تيسّر لهم من الشتائم السياسية “والعرْقية”، إبّان الحرب الأهلية، لذلك وبعد أن وضعت المدافع أوزار نيرانها، كان على الجميع ارتداء لبوس طبيعة ظاهرية، تستر طبيعتهم الأصلية، أي كان عليهم إتقان تبادل الكذب السياسي والاجتماعي، وربما الثقافي، وكل ما يندرج تحت عنوان التطبع، الذي يسمّيه اللبنانيون، وعن دراية، نفاقاً يلائم مقتضى الحال. لقد خرج المتطبعون من كواليس طباعهم إلى باحات التطبع الواسعة، وولجوا إلى قضايا خلافية، كانت وجودية، ثم صارت فجأة من المشتركات. هكذا قُيِّض للجمهور أن يقرأ مطوّلات عروبية، من إنتاج من ألصق التخلف بكل ما يمتُّ إلى العروبة بصلة، ولأن فلسطين كانت “مفاعل” انقسام اللبنانيين، بديلاً من أن تكون واحداً من مفاعلات لحمتهم الوطنية، رأينا من هَرْوَلَ إلى مصالحة “القضيّة”، بعدما اختزل كل عبء فلسطين إلى بيان إعلان تضامن موسمي، أو بيان شجب لبعض الممارسات الإسرائيلية. بتْنا أمام تطبع عروبي ومصيري، عندما صارت كلفة ربط المصير بالعرب “الجدد” لا تتعدى المجاملة الديبلوماسية.

 

ليس خافياً أن اللبنانيين تراشقوا بما تيسّر لهم من الشتائم السياسية “والعرْقية”، إبّان الحرب الأهلية، لذلك وبعد أن وضعت المدافع أوزار نيرانها، كان على الجميع ارتداء لبوس طبيعة ظاهرية، تستر طبيعتهم الأصلية

 

خلف هذا الانتقال، اختبأ الخطاب الطبائعي الأصلي، لكنه لم يغب، وحاد عن مجال الرؤية، كتاب المطالعة الذاتية وفهارسه عن الذات، لكن مفرداته كانت حاضرة، صحيحة أو على عجمة، على ألسنة الكثرة الكاثرة من قرّاء السيرة. هذا الواقع، هو الذي يفسّر حدّة الاشتباك السياسي حول فصول الميثاقية والعرف والصيغة، وحول أحكام الدستور، والواقع ذاته، يشرح معنى تعطيل “الجمهورية”، فيتحدث المعطل عن حقوقه الطائفية، بديلاً من أن يتحدث بوحي من مسؤولياته الوطنية، وذات الواقع، يقدّم الدليل تلْوَ الدليل، على أن الفئات اللبنانية على استعداد لتقديم التنازلات الوطنية للخارج، وتحجم عن اجتراح التسويات الداخلية التي تتضمن تراجعاً متبادلاً عن الأهداف القصوى، لا لشيء إلا لأن من طبائع الاستقواء من قبل الداخل على الداخل، السعي إلى تهميش المتنافسين، أو السعي إلى إقصائهم، وإلى كسّرهم، فيما لو توفرت الظروف المؤاتية لذلك.

 

الطبع الموروث:

لقد أنجب ختام الحرب الأهلية اللبنانية، توليفة سياسية جديدة، تحكّمت بمفاصل الجمهورية عموماً. التوليفة جاءت من ميادين الاقتتال، فكانت لكل منها نشأة تخالف نشأة شبيهاتها في مطارح، وتشترك معها في سمات متقاربة في مطارح أخرى. ذاكرة التوليفة الجديدة مستقاة من مفردات الحرب، وطباعها مطبوعة بسلوكات العداء. طبْع الحرب هو الغالب على تطبعات الذين نزعوا الملابس المرقطة ثم ارتدوا ملابس دور الأزياء، ودلقوا عليها أنواع العطور الفاخرة. لأبناء الطبع أولئك أسماء، ولهم مناصب رفيعة، فهم رؤساء ووزراء ونواب، وهم أصحاب تيارات وطنية وحركات سياسية. لذلك وكاستطراد ختامي، يجب القول إن الوزير الذي تطاولت عليه “البداوة” فشتمها عندما سمّاها باسمها، هو فرد في تيار، هو التيار الوطني الحرّ، الذي يستمد قوّة حضوره من قوّة موقع مؤسسه، رئيس الجمهورية الحالي، وعليه، فإن اللسان المفرد، أي لسان وزير الخارجية، سبقته ألسنة نطقت بما قيل أنه “زلاّت لسان”، لكن الزلّة، إذا تكرّرت، ومن ضمن البيئة ذاتها، تصير مؤشِّراً على أن الزلل مثل الخلل، طبع تكويني عام، لا تستره مطالعات التطبع العامة، فهذه لا تقرأ على ظاهرها، بل يجري البحث عن طبعها الكامن بين السطور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى