خبر عاجلسياسةمقالات

ضغط الانفجار والتسوية المأساة وإمكانية الإنقاذ – زكي طه

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365
ضغط الانفجار والتسوية المأساة وإمكانية الإنقاذ – زكي طه
كتب زكي طه في بيروت المساء
 تحت ضغط الإنفجار الكارثة وتردادته، وفي امتداد الإنهيار المريع، مرة أخرى ينصاع أركان السلطة وقادة النظام وأهل الطبقة السياسية الحاكمة شكلاً، للمثول أمام الخارج والاستماع  إلى مضبطة الإتهام المُحْكمة الموجهة لهم. وكي يقال لهم إن المخرج الوحيد المتاح أمامهم لإخراج البلد من حالة الإختناق والدمار والهاوية، هو إعادة النظر بصيغة عمل النظام والحكم، وتغييرأداء المسؤولين مدخلاً وحيداً لاستعادة الثقة المفقودة بهم. لأنهم جميعاً من تسبب بما حلَّ بلبنان من أزمات وكوارث تهدده بالزوال. وأن شروط الخارج الدولي والاقليمي لمساعدتهم وتجديد الثقة بهم ودعم لبنان لوقف الإنهيار، هي مساعدة أنفسهم والتوافق بينهم وتنفيذ وعودهم الإصلاحية، قبل أن يتدخل الخارج لصياغة تسوية أو “صيغة سياسية” مناسبة  لعمل النظام تُفرض عليهم وعلى اللبنانيين، كي يبقي لبنان على خارطة الكيانات المعترف بها بضمانات دولية، وإلا فالهاوية مصيره، لأنه سيكون مرهوناً بما سيؤول إليه مستقبل الكيانات والمجتمعات المحيطة في ضوء نتائج الحروب والنزاعات الدولية والاقليمية فيها وعليها.
 والاستدعاء إلى “قصر الصنوبر”، يُذكّر اللبنانيين بما كان قبل اتفاقي “الطائف” و”الدوحة” وما نتج عنهما من تسويات. وهو يستهدف إنقاذ القادة والزعماء وأهل الحكم والسلطة ودفعهم لإيجاد تسويات بينهم، وإلزامهم بمعالجة ما أنتجوه من أزمات مدمرة بقوة صراعاتهم ومشاريعهم الإنتحارية وفئوياتهم الحزبية والطائفية القاتلة، ورهاناتهم العبثية على الخارج وارتهانهم له، لينتهوا مجرد أدوات خاضعة لمشيئة دوله وسياساتها، بعدما شرَّعوا البلد ساحة لصراعات محاوره الإقليمية والدولية ودفعوه نحو الهاوية.
ليس غريباً أن يكرر أركان الدولة الفرنسية، في تاريخ الأزمات اللبنانية قديمها والحديث منها، المبادرات للبحث عن مخارج وإشهار الإعلانات عن الاستعداد لتقديم الدعم والمساعدة للبنان. وإذا كان “قصر الصنوبر” هو مقر دبلوماسي فرنسي راهناً، فهو بالأصل مقر المندوب السامي لدولة الإنتداب التي وُلد وتأسس الكيان برعايتها وبالاستناد إلى مصالحها، قبل مائة عام بعد هزيمة السلطنة العثمانية وتفكك مستعمراتها. وهي التي بلورت توازنات الصيغة الطائفية للنظام السياسي، كما ارست أسس دستور البلد، وساهمت في إنشاء وتكوين مؤسساته السياسية والإدارية والأمنية كافة. ولذلك فإنها تتصرف كأنها دولة الإنتداب القيّمة عليه بإسم روابط الفرنكوفونية.
ولذلك لم يكن مفاجئاً ما فعله ماكرون، وما أدلى به كرئيس للدولة الفرنسية وممثلاً للدول التي شاركت في مؤتمرات الدعم التي نظمتها دعماً للبنان. أن يجول على مكان الانفجار متفقداً، ويلتقي المتضررين والمواطنين الغاضبين في الشارع، ويستمع لهم ويخاطبهم ويتعاطف معهم ويعدهم وكأنه رئيسهم والمسؤول عنهم، خلافا للمسؤولين المحليين المختبئين في مقراتهم الرئاسية، ثم يجتمع بهم بوصفهم أركان قوى النظام الطائفي. ولأنهم  جميعاً لا يملكون جرأة مقابلة مواطنيهم، خاطبهم بحزم، محملاً إياهم مسؤولية الإنفجار والإنهيار الاقتصادي والمالي، وما حلَّ ببلدهم من كوارث جرَّاء فسادهم وسياساتهم وممارساتهم. ولذلك، طالبهم بالاصلاحات وتغيير أدائهم والاستجابة لمطالب شعبهم، كشروط واضحة لتلقي الدعم. ولأن الخارج لا يستهدف تغيير النظام فقد دعاهم لإعادة النظر بصيغة عملهم لإستعادة الثقة المفقودة بهم. ثم ليعلن أمامهم أنه سيعود لتبنّي ما يتفقون عليه، أو لضمان أي تسوية يجري التوافق عليها دولياً وإقليمياً. وأثناء ذلك فإن فرنسا وحلفاءها سيقدمون العون والمساعدات للناس مباشرة وعبر مؤسساته الأهلية، وهو ما أكده المؤتمر الدولي الذي دعت له.

ماكرون دعا المسؤولين اللبنانيين لإعادة النظر بصيغة عملهم لإستعادة الثقة المفقودة بهم. ثم ليعلن أمامهم أنه سيعود لتبنّي ما يتفقون عليه، أو لضمان أي تسوية يجري التوافق عليها دولياً وإقليمياً

 ولأن دول الخارج تتحرك وفق مصالحها، فهي تضع شروط الدعم والمساعدة. أما تحقيق الاصلاح أو تغيير النظام وبناء دولة حديثة فهو خارج أهتماماتها. وعلى ذلك فإن الخلاصة حول نتائج زيارة ماكرون، تحت وطأة وهول كارثة الإنفجار، هي محاولة إيجاد مخرج للبلد من أزماته، وتوليف تسوية داخلية ـ خارجية، تشكل صيغة لوقف الانهيار وفك إرتباط لبنان بأزمات المنطقة، بضمانات دولية وإقليمية.
لكن هكذا محاولة دونها الأهوال، لأن التسويات لا تولد إلا وسط الصراعات ونيرانها واستخدام أوراق الضغط والمساومات، لفرض تنازلات وتعديل التوازنات المحلية والخارجية. خاصة أن لبنان أسير وضع راهن شديد الخطورة، سواء لجهة مضاعفات الانهيار وارتدادات الإنفجار في شتى المجالات، ومعها مفاعيل الحصار المستمر وشروط الدعم الخارجي. أو لجهة ردود الفعل حول ما سيصدر عن المحكمة الدولية، وشروط التجديد لقوات اليونيفيل في الجنوب، في ظل تصاعد التهديدات الإسرائيلية. وفي موازاة وضع إقليمي متفجّر بإدارة ومشاركة دولية وقيادة اميركية تحديداً.
 وعليه يصعب التكهن بفرص نجاح محاولة توليد التسوية الممكنة ورسم معادلاتها وتوفير ضماناتها الداخلية والخارجية. ومصدر الصعوبة مرده إشكاليات الكيان والنظام والمجتمع المُشرّعة على الخارج، والمستمرة منذ التأسيس. وهي إشكاليات قيد إعادة الإنتاج الدائم، من قبل مكونات قوى الطبقة السياسية الحاكمة بنسخها كراعية إنقسام لقطع الطريق على امكانية قيام دولة وطنية ومؤسسات حكم حديثة  على أسس المواطنة وقواعد المساواة ووفق آليات الديمقراطية.
وبصرف النظر عن احتمالات التسوية أو “الصيغة السياسية” لتأهيل الطبقة السياسية والنظام القائم، التي حملها ماكرون، فإن مأساة اللبنانيين مستمرة جرَّاء الانهيار المتمادي على الصعيد الاقتصادي والمالي والاجتماعي والمعيشي، الذي تنتجه هذه الطبقة السياسية الميليشياوية بفسادها ومشاريعها الانتحارية. ومن خلال إبقاء البلد ساحة صراع للخارج دولاً وأنظمة تخلف واستبداد.
 أما وجه المأساة الأصعب فهو بقاء القلق والخوف في موازاة الفقر والبطالة والهجرة، مولداً موجات غضب وردود أفعال وتحركات تهدر تضحياتهم، ولا تتقدم بهم خطوة على طريق الخلاص مما هم فيه من مآسٍ. ولأن التغيير لا يأتي عبر الغضب والتحركات العشوائية واستسهال العنف والإكثار من الشعارات، أو الرهان على بعض قوى السلطة أو الخارج. ولأنه ليس أمراً سهلاً يمكن إنجازه عبر تحرك أو اعتصام وتظاهرة. وأمام هول الكارثة، ولأن السلطة بمواقعها ومكوناتها دون استثناء في مأزق خانق، فإن اللبنانيين أمام تحدي القدرة على تصعيد تحركاتهم من أجل إجبارهم على الإستقالة، وفرض تشكيل حكومة إنقاذ تتولى لجم الإنهيار، والبدء بمعالجة الأزمات المتراكمة بموجب صلاحيات استثنائية، بالإضافة إلى إقرار قانون انتخاب عصري خارج القيد الطائفي وإجراء انتخابات نزيهة مدخلاً لإعادة تكوين مؤسسات السلطة، لفتح مسار تغيير ديمقراطي سيكون طويلاً وصعباً ومعقداً، يتطلب تجميع كل القوى ومشاركة أصحاب المصلحة فيه، وحركة نضالية مستمرة ومتصاعدة قادرة على الإنتقال بالبلد وأهله إلى مصاف مجتمعات الحداثة والتقدم..ه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى