تراجع دور جمعيات الصداقة العربية الروسية: من إحياء الشعوب إلى تحولات مختلفة؟
تراجع دور جمعيات الصداقة العربية الروسية: من إحياء الشعوب إلى تحولات مختلفة؟

د. خالد العزي – مناشير
عُقد في الأردن بتاريخ 9 فبراير 2026، مؤتمر واسع لجمعيات الصداقة العربية الروسية، حيث جمع هذا الحدث ممثلين من مختلف الدول العربية وروسيا في العاصمة عمان لمدة يومين متتاليين. الهدف المعلن للمؤتمر كان تعزيز التعاون الثقافي والسياسي بين الجانبين. ومع ذلك، كما أفاد أحد الحاضرين، غاب عن اللقاء أي استراتيجية واضحة أو آفاق مستقبلية يمكن البناء عليها، ما أثّر سلبًا على الروح المعنوية في الجمعيات العربية المشاركة. ورغم الجهود المبذولة لتفعيل الصداقة بين الشعوب العربية وروسيا، بدا الاجتماع خاليًا من الفعالية الحقيقية التي كانت تطمح إليها الجمعيات، ليُسجل كحدث شكلي بدون نتائج ملموسة.
دور الجمعيات في الماضي: من الصداقة إلى النشاط السياسي
في حقبة الحرب الباردة، كانت جمعيات الصداقة العربية الروسية تلعب دورًا هامًا في تعزيز الصداقات بين الشعب السوفياتي والشعوب الأخرى، بما في ذلك الدول العربية. كان الاتحاد السوفياتي حينها يدعم استقلالية الشعوب ويساهم في تنمية قواها الوطنية، وهو ما كان يعزز من مكانة هذه الجمعيات في نفوس النخب العربية من قوميين ويساريين وأكاديميين وأطباء ومهندسين ومفكرين.
وكانت الجمعيات، في ذلك الوقت، نقطة تجمع لتبادل الأفكار وتعميق الروابط السياسية والاجتماعية بين شعوب الاتحاد السوفياتي والدول العربية. وكانت النخب العربية التي تشارك في هذه الجمعيات ترى فيها منصات قوية للدفاع عن الصداقات الدولية ونقل المساعدات التنموية والدعم السياسي من السوفيات إلى المنطقة العربية.
انهيار الاتحاد السوفياتي: تحولات في العلاقات الروسية
لكن، مع انهيار جدار برلين وزوال الاتحاد السوفياتي في أواخر القرن العشرين، تغيرت الصورة بشكل جذري. بدأ العالم يشهد تحولًا كبيرًا في البنية السياسية والاقتصادية للعلاقات الدولية، خاصة بين روسيا والعالم العربي. في المرحلة السوفياتية كانت العلاقات تعتمد على الدعم السياسي، بينما في الحقبة الروسية ما بعد الاتحاد السوفياتي، باتت العلاقات تركز بشكل أكبر على المصالح الاقتصادية والمالية.
روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي أصبحت تهتم أكثر ببناء علاقات تجارية واستثمارية مع الدول العربية من خلال رجال الأعمال، حيث بات التركيز منصبًا على تطوير التجارة والاقتصاد بين الدول العربية وروسيا. كما أن العلاقات الروسية أصبحت أكثر انعزالًا عن القضايا الثقافية والسياسية المتعلقة بشعوب هذه البلدان، مما جعلها تتحول إلى علاقة اقتصادية بحتة تفتقر إلى الطابع الثقافي والسياسي الذي كان سائدًا سابقًا.
مستقبل جمعيات الصداقة: غياب الاستراتيجية وغياب الأمل
أما الآن، مع مرور الوقت، فقد باتت جمعيات الصداقة العربية الروسية بلا تأثير يذكر. باتت هذه الجمعيات تجمع أفرادًا ينتمون إلى شخصيات عاشت على الماضي، وأصبح وجودها في الوقت الراهن مجرد غطاء إجرائي بلا مضمون حقيقي. هذا التحول جعل هذه الجمعيات تفقد الغاية التي تأسست من أجلها، أي تفعيل الصداقات بين الشعوب ودعمها سياسيًا. وبات السؤال الذي يطرح نفسه بشكل متكرر هو: إلى أين تسير الصداقات الروسية بين الشعوب؟ وما هي المساعدات التي تقدمها روسيا لهذه الجمعيات؟
من الواضح أن روسيا لم تعد تولي اهتمامًا كبيرًا لهذه الجمعيات أو للصداقة بين شعوبها والشعوب العربية، بل يبدو أن المصالح المالية والتجارية هي التي تهيمن على العلاقة. بينما كان يمكن لهذه الجمعيات أن تلعب دورًا في تعزيز الروابط بين الثقافات والشعوب، باتت تتراجع دورها بشكل متسارع، وأصبحت تجمعات بلا حبر أو خير، تعكس الخيبة في غياب أفق واضح وواقعي.
الدور الحالي للجمعيات: مجرد أوراق بلا قيمة حقيقية
وفي نهاية المطاف، أصبح دور هذه الجمعيات في الدول العربية يقتصر على تنظيم بعض الفعاليات والتجمعات التي لا تحمل أي تأثير حقيقي على مستوى العلاقات بين الشعب الروسي والدول العربية. ونتيجة لهذا الوضع، يشعر العديد من الأعضاء في هذه الجمعيات أنه لا أمل لهم بالمستقبل، إذ أن الجهود التي كانت تُبذل لتعزيز العلاقات الثقافية والسياسية قد تم تجاوزها لصالح علاقات اقتصادية تتجاهل تمامًا هذه الروابط الإنسانية والتاريخية.
كما يبدو أن الجمعيات الروسية العربية، التي كانت في يوم من الأيام منبرًا هامًا للصداقة بين الشعوب، قد أصبحت اليوم مجرد أوراق تُعبّر عن الماضي، وأصبحت بلا أي أفق مستقبلي أو فعالية. مع التغيير الكبير في السياسة الروسية وتحولها إلى علاقات اقتصادية وتجارية بحتة، أصبحت هذه الجمعيات تفتقر إلى القوة التي كانت تتمتع بها في السابق. وإذا استمرت روسيا في تجاهل الدور الثقافي والاجتماعي لهذه الجمعيات، فقد تظل هذه الصداقات بلا هدف، مما يعكس فشلًا في بناء علاقات حقيقية ومستدامة بين الشعوب في ظل التغيرات العالمية الراهنة.



