الصحة… حق وكرامة
الدكتور اسماعيل سكرية
قد يصعب بعض الشيء، التحدث فيما هو خارج ما يصادر الاهتمام والتفكير ويخترق الوجدان المتموضع والمنجذر فيه اصلاً، عنيت بذلك “عروبة فلسطين والقدس”.
ولكن، وإيماناً مني بأن الفساد وتداعياته وخاصة الصحية منها، بات بخطورة الإحتلال، ومواجهته هي مقاومة بحد ذاتها وجزء لا يتجزأ من الصراع، وهي تحصين للمناعة الوطنية والقومية، لا يعوضها “ضجيج الخطابات ورنين الشعارات” وقد عبرت عن قناعتي هذه في مجلس النواب منذ 10 سنوات، حيث قلت “من لا يتألم ضميره أمام مريض يتألم لا ضمير له، ومن يغش دواءاً يبيع وطنا”، من هنا، فإن بناء الإنسان “السليم الصحة- المنتج” هو حجر الزاوية في بناء الأوطان ومواجهة المخاطر، والعمود الأساس في التنمية البشرية.
الصحة “حق” كرسته الشرائع الدولية منذ قرن من الزمن، وليس منة من أحد أو فعل عمل خيري كما هو ممارس في لبنان، وقد تمدد تعريفه ليشمل “الصحة الجسدية والعقلية والنفسية من خلال تقديم الرعاية الصحية المناسبة في حينها، كما المقومات الأساسية للصحة مثل الحصول على مياه الشرب المأمونة والأصحاح المناسب والتغذية والمسكن وظروف صحية للعمل والبيئة”، وبالإذن من مجرور نهر الليطاني المولد للأمراض السرطانية!!
والصحة “كرامة”، حيث بات تقديم الخدمة الصحية يستوجب التلازم مع الحفاظ على كرامة المريض ومعنوياته.
اين لبنان من ذلك؟ الجواب متروك للناس التي تعاني “طبابةً واستشفاءاً ودواءاً وبيئة ملوثة وكلفة”، وهذا ما يتأكد كل عام في تقرير الأمم المتحدة، حيث يأتي لبنان دائماً في المرتبة “التسعينية” من حيث تطبيق معادلة “تقديم الخدمة الصحية الجيدة في الوقت المناسب وبالكلفة المعقولة”!!
بمساعدة وتشجيع أصحاب الضمائر الحية في الإدارة والإعلام والقليل من المواقع الروحية والسياسية، وبإحتضان دافىء وقوي من الناس بشكل عام، وبرضى من عند الله، استطعت وعلى مدى عشرين عاماً لا زالت مستمرة داخل مجلس النواب وخارجه، إن اتصدى ” وبالذخيرة الحية” من اسئلة نيابية واستجوابات ولجوء للتفتيش المركزي والقضاء، لكافة تفاصيل الشان “الصحي – الدوائي” من فساد وتجاوز للقوانين وعبث بصحة الناس، فتحول هذا الملف الصحي الاجتماعي المنسي الى “قضية” فرضت حضورها والاهتمام.
هي تجربة فريدة في لبنان، حيث انطلقت عكس السير، مخترقة الخطوط الحمراء لتقاليد وأعراف وضوابط العمل السياسي، واضعة صحة الناس فوق أي إعتبار، فلم تخضع للمسايرات السياسية والإجتماعية وغيرها، وهي المرة الأولى التي يتكون في لبنان “ملف كامل متكامل” ومتابع باستمرار، والهدف الأساس من رمي الحقائق رغم خطورة بعضها أمام الرأي العام، هو تحريض الناس واستنهاض ثقافة المواطنة، لتتحمل مسؤولياتها للدفاع عن حقوقها الصحية المقدسة بوجه مافيات الفساد، وتوجت مؤخراً بكتاب “الصحة حق وكرامة”، الذي لاقى اهتماماً وتجاوباً رائعاً من الناس، تأكد في جميع محطات توقيعه في جميع المناطق اللبنانية، وهذا يؤكد بدوره، تعطش الناس لقضية خالية من التلوث والفساد الذي يظلل ويحرك الكثير من أوجه العمل السياسي في لبنان.
الخلاصة:
- الإستخفاف بصحة الناس وعدم تطبيق سياسة صحية – دوائية، الحق الأذى الكبير بآلاف وآلاف اللبنانيين إن بالمباشر أم بالتراكم، كما هدر المليارات من الدولارات التي سرقت من المال العام ومن جيوب الناس.
- إن المحاولات الأساسية للإصلاح الدوائي منذ الإستقلال حتى اليوم، أجهضت وأسقطت في مجالس النواب المتعاقبة، وهو ما يؤكد وقوع هذه المجالس تحت تاثير نفوذ “مافيا الدواء” وهو ما أكده رئيس المجلس نبيه بري في جلسة 30 تموز عام 2000 في معرض تعليقه على سؤال نيابي حولته استجواباً مما يؤكد بدوره أن الدور الأهم في النظام اللبناني، هو دور النائب، نائب الأمة حسب الدستور، لا نائب زواريب وسمسرات
- وهذا يؤكد بدوره، أن الإصلاح يبدأ من عند الناس إذا ما تسلحت بثقافة المواطنة التي تفصل ما بين الإصطفاف والتعاطف السياسي والعصبي، والحقوق الإجتماعية الجامعة لجميع الناس، والصحة في مقدمها .
وأخيراً، فقد أردت من خلال هذه المقالة المتواضعة، نقل بعض معاني وأبعاد اهداف كتاب “الصحة.. حق وكرامة”، إحتراماً للناس وإحساسا بما تعانيه وخاصة تلوث حوض الليطاني الذي بات يروي خلايا السرطان في سكانه بدل إمدادها بالمياه العذبة، واختم بسؤال أوجهه للناس:
- هل لديكم الإستعداد خاصة وأنتم على أبواب انتخابات نيابية، أن تطالبوا مرشحيكم بإعتماد سياسة “فتح الملفات” على مصراعيها، في حال وصولهم المجلس النيابي؟؟



