الرئيس عون من الأمم المتحدة: لبنان حسم خياره بأن يكون أرض حياة… والنموذج اللبناني مسؤولية دولية

نيويورك – مناشير
ألقى رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون كلمة لبنان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السنوية الثمانين، مؤكدًا أن لبنان حسم خياره بأن يكون “أرض حياة وفرح، ومنصة لهما إلى منطقته والعالم”، وليس بؤرة صراع وحروب. وفي خطاب شامل وعميق، جمع بين الأبعاد الإنسانية، السياسية، والاقتصادية، دعا الرئيس إلى دعم دولي مسؤول للحفاظ على “النموذج اللبناني الفريد”، محذرًا من أن سقوط هذا النموذج سيكون له تداعيات على استقرار المنطقة والعالم.
لا تنمية بلا سلام… ولا سلام بلا عدالة
استهل الرئيس عون كلمته بالتأكيد على الترابط العضوي بين السلام، التنمية، وحقوق الإنسان، مشيرًا إلى أن هذه المفاهيم الثلاثة لا يمكن أن تُبنى إلا على قاعدة احترام كرامة الإنسان، قائلاً:
“بلا كرامة، لا شيء في الأرض إلا سلام القبور، ولا نموّ إلا للفقر والتخلف والعنف والدم.”
وذكّر عون بدور لبنان التاريخي في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من خلال المفكر الراحل شارل مالك، مؤكدًا أن لبنان، برغم الأزمات، لا يزال يحمل تلك الرسالة في قلب العاصفة.
النموذج اللبناني: أكثر من بلد… إنه رسالة
وفي معرض حديثه عن هوية لبنان، قال الرئيس عون إن لبنان ليس مجرد دولة، بل “نموذج حضاري فريد للعيش بين جماعتين دينيتين مختلفتين لكن متساويتين كليًا في الحقوق”، ضمن نظام دستوري يكرّس الشراكة والمواطنة.
وشدّد على أن العالم اليوم بحاجة إلى هذا النموذج أكثر من أي وقت مضى، معتبرًا أن أي تهديد لوجود هذا التوازن سيؤدي إلى تقويض معادلة التعددية والاعتدال، وأضاف:
“إذا سقط المسيحي في لبنان، سقطت العدالة. وإذا سقط المسلم، انتكس الاعتدال. وإذا سقط لبنان، البديل سيكون خطوط تماس جديدة بين شتى أنواع التطرّف والعنف.”
رسائل سياسية: وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتطبيق القرار 1701
في الشق السياسي، دعا عون إلى الوقف الفوري للاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، وانسحاب الاحتلال من كل الأراضي المتبقية، وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين، مشددًا على التزام لبنان الكامل بتطبيق القرار 1701 بكل مندرجاته.
كما رحّب بتجديد تفويض قوات اليونيفيل، مؤكدًا أن دورها ضروري في هذه المرحلة الانتقالية، بالشراكة مع الجيش اللبناني، لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
وأشار إلى أن جميع القوى السياسية اللبنانية متفقة على هذا المسار، بدءًا من إعلان 27 تشرين الثاني 2024، مرورًا بخطاب القسم الرئاسي، والبيان الوزاري للحكومة، وصولًا إلى المفاوضات التي جرت مع الموفد الأميركي السفير طوم باراك.
أعباء النزوح… ومقاربة جديدة
توقف الرئيس عون عند ملف النزوح السوري، واصفًا إياه بأنه “أكبر حالة نزوح في التاريخ نسبة لعدد السكان”. وكشف عن مفاوضات مباشرة مع الحكومة السورية، برعاية سعودية، بهدف التوصل إلى اتفاقات تعيد النازحين إلى بلادهم بأمان، وتعزز علاقات حسن الجوار بين البلدين.
وأبدى تفاؤله بإمكانية تجاوز تعقيدات الماضي، مشيرًا إلى أن “المصلحة المشتركة تفرض شراكة متكاملة بين لبنان وسوريا، بما يخدم شعبي البلدين.”
إصلاحات داخلية: من التعافي الاقتصادي إلى محاربة الفساد
في الشأن الاقتصادي، تحدث الرئيس عون عن برنامج لبناني متدرّج يشمل:
- التدقيق المالي الشفاف
- إعادة هيكلة المصارف
- محاربة الفساد والجريمة المنظمة
- تحديث الإدارة والقضاء
- الامتثال للمعايير الدولية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب
كما أشار إلى أن لبنان يعمل على تعزيز الحريات العامة، ودعم مشاركة الشباب والنساء في صنع القرار، معتبرًا أن “كرامة المواطن هي مدخل الإصلاح الحقيقي.”
إعادة إحياء “أكاديمية الإنسان للحوار”
واستعاد الرئيس عون قرار الأمم المتحدة الصادر في أيلول 2019، والذي تبنى طلب لبنان بإنشاء “أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار”، معلنًا إعادة إحياء المشروع بعد سنوات من التجميد، نتيجة الأزمات المتلاحقة.
وقال:
“نحن لا نطلب امتيازًا، بل مسؤولية دولية منصفة، تعيد لبنان إلى دوره الطبيعي كمنبر للحرية والتعددية، في قلب الأمم المتحدة.”
نداء أخير: لا تتركوا لبنان
وفي ختام كلمته، توجّه رئيس الجمهورية بنداء إنساني إلى المجتمع الدولي، قائلاً:
“أنا أحدثكم الآن عن السلام، وبعض أهلي يُقتلون، وبعض أرضي يُدمّر. لقد حسمنا قرارنا أن يكون لبنان أرض حياة وفرح، ولن نترك هذا الخيار. ندائي لكم: من أجل السلام في منطقتنا، ومن أجل خير الإنسان… كونوا معنا، لا تتركوا لبنان!”
ردود فعل أولية
وبعيد إلقاء الخطاب، لاقت كلمة الرئيس عون تفاعلًا إيجابيًا في أوساط الوفود المشاركة، واعتُبرت بمثابة خريطة طريق متوازنة بين الثوابت الوطنية والانفتاح الدولي. كما أشادت مصادر دبلوماسية بـ”الجرأة في الطرح والوضوح في الموقف”، واعتبرتها **إشارة إلى نضج سياسي لبناني يتجاوز الاصطفافات الداخلية، نحو بلورة رؤية شاملة للخروج من الأزمة”.



