خبر عاجلمقالات

إبطال تمديد ولاية رئيس الجامعة اللبنانية و خلافات المحاصصة: تفريغ الأساتذة وصراع طائفي يتجاوز حدود المقاييس الاكاديمية

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

إبطال تمديد ولاية رئيس الجامعة اللبنانية و خلافات المحاصصة: تفريغ الأساتذة وصراع طائفي يتجاوز حدود المقاييس الاكاديمية

 

كتب الدكتور زهير هواري في بيروت الحرية

 

​سيظل مصير الجامعة اللبنانية وانتظام أمورها أكاديميا وإداريا ووظيفة ودورا وطنيا مرهون بتوافق طوائفي لا محل له في حسابات القوى السياسية التي تتصارع دوما على الحصص. وهو ما يبقي الأمور معلقة على مساعي كل واحدة من الكتل في الحصول على حصة “الأسد” من التعيينات المطروحة. وفي مناخ من هذا النوع تغيب المعايير الاكاديمية، ومعها مبدأ الحاجة إلى أساتذة أو اداريين، عدا أوضاع التعييينات في الكليات والفروع وتوزيعها وموازناتها وسائر أمورها الإدارية. وعليه يمكن القول إن النمو الورمي للجامعات الخاصة في جانب منه هو نتيجة من نتائج ما آلت إليه أوضاع الجامعة اللبنانية. ما جعل الطلاب يبتعدون عنها نحو “بوتيكات “التعليم العالي على حد وصف شهير لوزير الثقافة الحالي الدكتور غسان سلامة خلال تبوئه نفس منصبه الحالي في العام 2002 . والأمور في الجامعة تسير من سيء إلى أسوأ تبعا لما هو عليه العراك المذهبي الذي تشهده كليات الجامعة ومرافقها، بدءا من موقع الرئاسة مرورا بمجلس العمداء وأسماء العمداء والكليات مرورا بالمديرين وأمناء السر وقس على ذلك .

 

الجامعة كدائرة توظيف طوائفية

 

وتتصرف الطوائف وممثلوها في الحكم على اعتبار الجامعة مجرد دائرة عادية يسري عليها ما يسري على سواها من محاصصة في المؤسسات الرسمية. أي أن المقاييس المعتمدة هنا تطيح بالأصول الأكاديمية التي تعتمدها الجامعات في مشارق الأرض ومغاربها. فمثلا شهدت الجامعة مؤخرا منازلة حول موقع الرئيس، وهي منازلة مردها الأساس ما آل إليه موقع الرئاسة التي جرى فرزها و”تطويبها” للطائفة الشيعية دون سواها. علما أن هذا الموقع تناوب عليه رؤساء من مختلف الطوائف سابقا. بالطبع صار هذا الموقع من حصة حركة أمل مع موافقة من حزب الله . أما ما حدث مؤخرا فقد انتهى إلى قرار من المجلس الدستوري بابطال تمديد ولاية ​رئيس الجامعة اللبنانية​ الحالي الدكتور بسام بدران وحصرها بمدة ستة أشهر فقط، بينما كان طموحه الفعلي هو الحصول على ولاية ثانية مدتها خمس سنوات كما هو معروف. لكن المجلس في الوقت نفسه حفظ له حقه بالترشح لولاية ثانية. وبذلك ابتدع المجلس سابقة قضت بإبطال جزئي للطعن الذي تقدم به عدد من النواب، دون أن يقطع مع محاولة تعديل القانون لصالح فرد محدد هو الرئيس الحالي. وكان النواب قد طلبوا في مراجعتهم إلى المجلس الدستوري “إبطال القانون رقم 45 تاريخ 17 تموز 2026 المتضمّن تعديل الفقرة الثالثة من المادة الثانية من القانون رقم 66 تاريخ 4/3/2009 وتعديلاته (المتعلق بتنظيم المجالس الاكاديمية في الجامعة اللبنانية). الذي وافق عليه مجلس النواب. أما المجلس الذي اجتمع في الثالث من الشهر الجاري قد قرر قبول المرجعة شكلاً وقبول الطعن جزئياً، وأبطل العبارتين الآتيتين الواردتين في القانون المطعون فيه: العبارة الواردة في الفقرة الأولى من البند 3 “على أن يتمّ تعيين عمداء الوحدات بالأصالة من قبل مجلس الوزراء”، والعبارة الواردة في الفقرة الثانية التي تقول : “ولحين تنفيذ ذلك تمدّد ولاية رئيس الجامعة لمدة ستة أشهر مع حفظ حقه بالترشّح لولاية ثانية فقط. وفتح باب الترشيح وفق المهل المذكورة أعلاه”.

 

وقرر الدستوري أيضاً رد الطعن لسائر الجهات وإبقاء العبارة الواردة في البند 3 كما هي “تحدّد ولاية رئيس الجامعة بخمس سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة”. هذا التعديل المفصل على مقاس الرئيس الحالي، كأن مرده الأصلي نيل رضا المرجعية السياسية التي أتت ببدران إلى رئاسة الجامعة، الأمر الذي استوجب تعديل القانون الأصلي للجامعة الذي يمنع على الرئيس تمديد ولايته ويحصرها بدورة واحدة، وهو ما حدث خلال الرئاسات السابقة. هذا التوجه من جانب المجلس الدستوري حفظ للنواب الراغبين بالتمديد لبدران هذا الامتياز الذي ساروا به اكراما لرئيس المجلس، وارضاء لمصالح ممثليهم بين أساتذة الجامعة. مع أنه ربط مصير رئاسة الجامعة بمصير تعيين العمداء في مجلس الجامعة. هذا الربط وتلك المعادلة التي وضعها المجلس الدستوري أدت إلى ما يشبه المعضلة التي شهدتها الجامعة، خصوصا وأن ولاية الرئيس بدران تنتهي بعد شهر، وفي حال عدم التوافق على اسم الرئيس المقبل، سواء لناحية ترشح بدران أو لا، ستصبح الجامعة بلا رئاسة. فتعيين رئيس الجامعة يتم في مجلس الوزراء وذلك بناء على ترشيحات يرفعها مجلس الجامعة إلى وزير التربية الذي يرفعها بدوره إلى مجلس الوزراء. لكن في ظل عدم وجود مجلس جامعة يفترض أن يرشح وزير التربية خمسة أسماء ويرفعها إلى مجلس الوزراء، وليس رئيس الجامعة، وذلك عملاً بالمرسوم الاشتراعي رقم 59 الذي ينوب بموجبه وزير التربية عن مجلس الجامعة في حال تعثر انتخاب المرشحين.

 

عاصفة بدران وتعيلات القانون

 

وكانت الجامعة اللبنانية والأوساط الأكاديمية والقانونية عموما قد شهدت في غضون الأسابيع المنصرمة عاصفة بعد أن أصدر بدران تعميماً حول فتح باب الترشح لرئاسة الجامعة، خلافاً للمرسوم الاشتراعي 59، مستنداً إلى المرسوم الاشتراعي 67/75 ، وترشح إلى رئاسة الجامعة عشرة أساتذة وضمنهم هو نفسه، إلى جانب آخرين يملكون رتبة الأستاذية في الجامعة وتنطبق عليهم مؤهلات الترشيح. لكن بدران وقبل صدور قانون التمديد امتنع عن إصدار لائحة المرشحين . ثم جاء قرار المجلس الدستوري ليزيد الأمور تعقيدا بين القوى الطائفية المتنازعة. فقد اعتبرت القوى السياسية المسيحية، التي صوتت لصالح التمديد في المجلس النيابي، أن ما قامت به يعد بمثابة انتصار لها، كونه ربط مصير رئاسة الجامعة “الشيعية” بمصير مجلس الجامعة الذي يعطي المسيحيين سلطة محدودة في إدارة شؤون الجامعة. وبعد قرار “الدستوري”، وفي حال مدَّد مجلس الوزراء لبدران، تكون تلك القوى قد تلقت صفعة مدوّية. هذا رغم أن مجلس الوزراء يكون عملياً قد مدَّد أزمة تعيين مجلس الجامعة أيضاً. وكانت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي قد ردت اللائحة التي تقدم بها بدران كونها غير مستوفية الشروط التي يفرضها القانون رقم 66 لتنظيم الجامعة. وفي مناخ يغلب عليه الطابع الطائفي من سائر الضفاف، تبين أن المأزق أعمق مما يبدو عليه. فقد أكدت القوى السياسية المسيحية تمسكها بالحصول على عشرة عمداء من أصل 19 عميدا، على قاعدة أن رئيس الجامعة المسلم الشيعي، يحسب مع العمداء التسعة المسلمين المتبقين، فتصبح الجامعة مناصفة بين المسيحيين والمسلمين. والأدهى من ذلك، مطالبة مراجع مسيحية عليا بحصة مفوضي الحكومة في مجلس الجامعة، وذلك على قاعدة أن ممثلي الأساتذة في المجلس مسلمون. علماً أن ممثلي الأساتذة منتخبون من أعضاء الهيئة التعليمية في الكليات، أي أنه لا يتم تعيينهم إداريا تبعا لاعتبارات المناصفة وغيرها مما يشابهها. ويظهر الصراع الطائفي في ضوء مجلس الجامعة السابق حيث كان للمسلمين 9 عمداء ( خمسة سنة و4 شيعة مع الرئيس كونه العاشر) وللمسيحيين عشرة عمداء ومفوضي الحكومة، ولم يكن للدروز أي حصة. حتى ان عمادة كلية الطب وهي التي كانت من نصيب الدروز جرى التخلي عنها لصالح المسيحيين، وحصل هؤلاء بعدها على عمادة كلية الفنون، وفي حال اصرار المسيحيين على عشرة عمداء سيكون الدروز من دون أي حصة، وبالطبع لن يتنازل لا المسيحيين ولا السنة ولا الشيعة عما يعتبرونه مكتسباتهم، مما يضع الدروز خارج مجلس الجامعة. أهمية هذه الصراعات أنها تكشف عن الخلل الذي تعانيه الجامعة من خلال اخضاعها ب “الجملة والمفرق” للصراعات السياسية الطائفية، بينما يفترض أن تكون كمؤسسة أكاديمية خارج صراعات “الملل والنحل” وحسابات القوى السياسية المهيمنة. على أن تخضع فقط لا غير للاعتبارات العلمية والاكاديمية دون سواها. بالطبع لم يأت قرار المجلس الدستوري من فراغ بل كان نتيجة الحملة التي ساهم فيها جامعيون ونقابيون في الجامعة وخارجها الذين قدموا مطالعة قانونية أوصلوها للنواب، اعتبروا بموجبها أنّ عدم فتح رئيس الجامعة بسام بدران باب الترشيح، وتخطيه المهل الملزمة، الغاية منه هو التمكن من إعادة ترشيح نفسه لولاية ثانية، ضارباً عرض الحائط بما نصّت عليه القوانين حول آلية الترشيح، واتهموه بسوء استخدام السلطة. وفندوا المخالفات التي تضمنها تجاوزه القانوني. وجرى توزيعها على النواب ووسائل الاعلام، وبالطبع بلغ مضمونها المجلس الدستوري الذي اصدر فتواه الملتبسة على نحو ما أشرنا إليه.

 

وحسابات التفرغ الطوائفي

 

لكن معضلات الاحتكام إلى المعايير الطائفية لا يقتصر على موقع الرئيس والعمداء ومجلس الجامعة المؤجل تعيين أعضائه منذ سنوات طويلة دون تعيين بديل للعمداء الذين انتهت مدة ولايتهم، إذ ينسحب وضع “المقاسمة” على مسألة التفرغ التي تدور في حلقة مفرغة منذ سنوات، ومع هذا الوضع يتضخم العدد حتى أنه قفز من 800 أستاذ إلى 1690 ثم إلى ما أكثر. وموضوع عقود التفرغ جرى وضعه على جدول أعمال مجلس الوزراء، الا أنه أرجيء في اللحظة الأخيرة للأسبوع المقبل في العاشر من الجاري. علما أن تأخيره لا يحدث للمرة الأولى، بل مرات عدة بالنظر إلى العُقد الطائفية التي تجعل اقراره مستحيلا، طالما ان حسابات المحاصصة تظل عرضة للتجاذب سواء ارتدت طابع المناصفة أو محاصصة بنسبة 60% للمسلمين و40 للمسيحيين وغيرها. وهذا الوضع دفع بالأساتذة المتعاقدين إلى تنفيذ أكثر من اعتصام والتلويح بالاضراب المفتوح مع مطلع العام الجامعي الحالي. وعليه حصل هؤلاء على وعد من الرئيس نواف سلام بعرض الملف على مجلس الوزراء المقبل. لكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن الأوضاع “سالكة وآمنة ” في طريق هذا الملف لجهة الاتفاق على النسب التي يتوجب اعتمادها في توزيع الأساتذة على الطوائف وحصص كل منها في المزاد المفتوح، وتبعا لذلك جرى تقسيم ملف التفرغ على أربع دفعات لإدخال حوالي 1690 متعاقد إلى التفرغ، وفق القرار الذي صدر عن الحكومة. وبدورها أعدت وزيرة التربية بالتعاون مع رئيس الجامعة الجداول الاسمية لكل دفعة من الدفعات الأربع، ورفعت الملف إلى رئيس الحكومة، الذي ما زال يتريث في عرضه على جلسة مجلس الوزراء.

 

مصير الحصص والدفعات

 

وكما تقول مصادر متابعة تتضمن كل واحدة من الدفعات الأربع النسب الطائفية عينها في الملف كله، وهي تقتصر على نحو 34 في المئة من المسيحيين. وكانت هناك محاولة لإعادة توزيع الأسماء، وجعل الدفعة الأولى مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، على أن يصار إلى التعاقد مع أساتذة مسيحيين لرفع نسبة المسيحيين في الدفعات الأخرى. لكن الأمر لقي اعتراضاً شيعياً، واعتراضات أخرى تتعلق بكيفية ضم المتعاقدين الجدد إلى الملف. فجعل الدفعة الأولى مناصفة يعني تفريغ مئتي أستاذ مسيحي مقابل مئتي مسلم، حصّة الشيعة منهم ستقل عن مئة أستاذ. وهذا يؤدي إلى مشاكل حزبية داخل حركة أمل وحزب الله، فضلاً عن أن عدداً من المتعاقدين القدامى غير محسوبين على الثنائي الشيعي، وهذا ما يؤدي إلى انخفاض نسبة الحزبيين في الدفعة الأولى، في وقت يضغط الأساتذة الشيعة على مرجعياتهم لضمهم إلى الملف وإلى الدفعة الأولى أيضاً. علما أن القوى المسيحية تصر على ألا تقل حصة المسيحيين عن 45% ما يستوجب ضم 32 متعاقدا مسيحيا لا تنطبق عليهم معايير التعاقد لأكثر من سنتين و75 أستاذ كانوا متعاقدين قبلا وغادروا مواقعهم تحت وطأة الأزمة الاقتصادية.

 

كل هذا غيض من فيض التلاعب الطوائفي بمؤسسة اكاديمية تفقد تباعا من الرصيد الذي راكمته منذ تأسيسها على الصعيد العلمي والوطني عبر مساهمات من أساتذتها وطلابها وإدارييها تعالت على الحسابات الطائفية. ومرد مثل هذا التراجع المتمادي يكمن في غياب المنحى الاصلاحي لدى الأساتذة والطلاب والمجتمع الذي ناضل على امتداد عقود لقيامها وزيادة عدد كلياتها وتوسيع دائرة اختصاصاتها وتفريعها في سائر المحافظات. بالطبع كان لدى الجامعة نخبة أكاديمية تتباهى بهم الحياة العلمية والتعليمية في لبنان وخارجه، لكن ما يجري الآن ليس سوى اعتماد مقاييس الهوية الطائفية لتعيين الأساتذة بصرف النظر عن كفاءاتهم ومساهماتهم البحثية وحاجة الكليات لهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى