“أَحكي وفي فمي تراب الكلام”: سيرة الألم والغضب والحب – صخر أبو فخر
“أَحكي وفي فمي تراب الكلام”: سيرة الألم والغضب والحب – صخر أبو فخر

صخر أبو فخر
يكتب زهير هوّاري سيرته في نهايات الحروب اللبنانية المتفرقة التي شهدها بأم عينه، وشارك فيها بقلمه وأعصابه. وسيرته هذه الموسومة بعنوان “أَحكي وفي فمي تراب الكلام” (بيروت: دار الفارابي، 2025، 304 صفحات) سيرة حارة ولاهثة ومتدفقة وعجيبة أيضًا. عجيبة لأن معظم الذين كتبوا ذكرياتهم أو سِيَرهم بدأوا حكاياتهم منذ لحظة ولادتهم، أو من نقطة زمنية محددة وفاصلة في حياتهم، فتقدموا وتأخروا حتى بلغوا نهاية الحكاية. أما زهير هوّاري فبدأ سيرته منذ ساعة موته المتخيل، ثم تغسيله وتكفينه وتلقينه الشهادتين وتشييعه في نعش خشبي، حتى وصوله إلى القبر وإنزاله في اللحد. وهناك راح ينتظر مجيء الملكين أنكر ونكير اللذين كانا مُتعبَين منهوكَين لكثرة ما قبضوا من أرواح البشر في جائحة الكورونا (ص 11). ولذلك طلبا منه، بدلًا من أن يحققا معه ويستجوبانه في سلوكه إبان حياته، أن يكتب بنفسه تقريرًا عن تفصيلات ما جرى له طوال عمره.
يصلح هذا المدخل لفيلم غرائبي Exotic على أن تكون المجادلة مع الملكين ثم مع الله مادة الفيلم كالقصة والسيناريو والحوار. ومطالع هذه السيرة كابوسية وهذيانية وقيامية Apocalypse معًا، فهو يصف جنازته وصفًا وافيًا كأنه موسى في العهد القديم. والفارق أن زهير هواري لم يلطم ملك الموت ويفقأ عينه كما فعل موسى، بل استسلم له ولرفيقه الملك الثاني، وكسب احترامهما. أما أنا فقد تمكنت من خداع زهير هوّاري، بل غششته، وشرعت في قراءة سيرته لا من الفصل الأول، بل من الفصل الثامن (ص 237) الذي يروي فيه قبسات من طفولته وملاعبه الأولى وعائلته وقريته والفقر المعمم والتمرد والمشاكسة حتى خِلتُه مثل صبي داشر قبل الصف العاشر، بعد أن رسب تسعة تلاميذ، وهو من بينهم، من أصل أحد عشر تلميذًا، في مدرسته الابتدائية (ص257).
II
يحلو لي، هنا في هذا الميدان الأدبي، أن أقارن زهير هوّاري بأبي حيان التوحيدي على بُعد الدهور ومشقة هذه المقارنة. فزهير هوّاري مسلم أزهري سابقًا، وشيوعي لاحقًا، وزنديق يكاد يقترب من عوالم أبو العلاء المعري في “رسالة الغفران” أو من دانتي في “الكوميديا الإلهية”. وأبو حيان حيان التوحيدي في “الرسالة البغدادية” يتقصد في هجائه أصفهان وامتداحه بغداد، أن يظهر مداحًا قداحًا، ناسكًا فاتكًا، صِدّيقًا زنديقًا، عيابًا شتّامًا، فاسقًا متعالقًا. غير أن زهير هوّاري يترفع عن المدح والهجاء كما عرفهما أجداده العرب وأتقنوهما، ليسمو فوق مُنقصات المروءة، ويكتب سيرته وسيرة اليسار اللبناني والحرب الأهلية اللبنانية وحكاية منظمة العمل الشيوعي ومرويات الناس الذين عاصرهم أو عاش معهم أو مروا بحياته الحزبية والعملية والثقافية، وظل، حتى بعد أن عاد إلى الحياة غداة موته الخيالي، يتذكرهم ويحكي قصصه معهم، أو حكاياتهم معه. وثمة اختلاف جلي بين لغة “أبو القاسم البغدادي” (أي أبو حيان التوحيدي) في كتابه “الرسالة البغدادية” ولغة زهير هوّاري في “أحكي وفي فمي تراب الكلام”؛ فلغة أبو حيان إبن مدينة بغداد لا تتورع عن نثر أقذع الألفاظ على أهل أصفهان حتى لو كان المهجو عالمًا أو ناسكًا أو صوفيًا، فيما لغة زهير هوّاري إبن قرية المنصورة، راقية ورائعة مع أنها مشبوبة بمفردات غاضبة ومدببة أحيانًا. لكن، ما يجمع الاثنين هو قلق الوجود ولغز الولادة الأولى والانغمار في التفكير بالحب والحياة والموت. ومهما يكن الأمر، فإن زهير هواري، وقد فرش بساطه ومدّ سماطه، كتب لنا سيرة غير تقليدية، فليس فيها بطولات أو تبجحات أو مدائح لجدوده العظام وسلائله الكرام، إنما هي سيرة شاب يساري غمرته الحرب الأهلية بأرديتها الحائلة، وانغمر في أتونها، لكنه ظل يشعر دائمًا بأن في داخله “خزانًا من حروب الألم والوجع والكآبة، ويتمنى لو يعود إلى قريته حيث وُلد، فيموت بين أهله” (ص 97). لنتذكر أن زهير هوّاري لم ينس أهله قط، بل كتب عنهم كتابًا وسمه بعنوان “تاريخ مَن لا تاريخ لهم” (بيروت: منشورات ضفاف، 2013).
| اختار هذا القروي الفقير أن يكون يساريًا مدافعًا عن أبناء طبقته لتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين |
لا ريب في أن المدينة في خيال القروي غربة واغتراب. لكنها ما انفكت تهزم القرية دائمًا. لنتساءل: كم واحدًا من أبناء القرى الذين هبطوا المدينة للعلم أو للعمل عادوا إلى قراهم؟ لا شك في أن عدد هؤلاء قليل جدًا جدًا. أما الباقون فيعودون في نهاية الأسبوع أو في الأعياد أو في العطل ليرتاحوا ويتنسموا بعض الهواء العليل والهدوء، أو يعودون، للمرة الأخيرة، ليُدفنوا في ثرى قراهم. وفي أي حال ها نحن نعثر في هذا الكتاب على مقادير وافية من طفولة زهير هوّاري (مواليد 1950) وفتوته الأولى اللتين عاشهما في عراء الطبيعة وهو يعمل في السقي والتعشيب والتسميد والرعي والفلاحة حيث الفدان والنير والمنساس والحصاد والتغمير والرجد والدرس على النورج (أو المورج) ثم التذرية والتكييل والتتبين وإنزال الحبوب إلى الكواير من خلال الفتحة العلوية (الروزنة). ولا ينسى جلب الماء بالجرار من مجرى الليطاني، والاستحمام في “لكن” الألمنيوم، والسهر على ضوء سراج أبو فتيلة وبابور البريموس وموقد الحطب والعجن والخبز وكل ما يرتبط بحياة الناس في القرى اللبنانية الفقيرة. ولا يهمل صاحب السيرة وصف الجوانب الأخرى من حياة القرى (ص 237 وما بعدها)، ولا سيما طريقة المقايضة العينية في تبادل السلع والحاجات. ويذكر أنه لم يعرف البيجاما (رداء النوم) إلا حين انتقاله إلى مدرسة الأزهر في بيروت وكان في الثانية عشرة، كأنه منذور، منذ ولادته، ليكون في عراك مع الطبيعة الريفية القاسية، وعراك في سبيل العيش، وعراك من أجل التعلم، وعراك مع المجتمع ليكون له مكانة فيه، وعراك ليصبح ذلك المجتمع أكثر حداثة وتقدمًا، وعراك من أجل العدالة الاجتماعية، وعراك ضد الفاقة، وعراك من أجل الحب والحق في الحب؛ فالفقر هو مبيد الحب ويقتل المشاعر، أو يجعلها عصية على البوح والاعتراف، ويحول دون “النعيم” الذي تتيحه العلاقات الغرامية الفائرة. وحتى في المدينة، فإن رقة الحال تمنع الانخراط في حياة المدينة اللاهية واللاهبة، فلا مسارح أو حفلات موسيقية أو راقصة، ولا مقاهي الرصيف أو نوادي الرياضة. لكن البحر المجاني وسينما الزهراء وغيرها من دور العرض المتواصل، فضلًا عن القراءة، كانت تسد بعض خروم الحياة المستَلَبَة.
كان على زهير هوّاري أن يجري دائمًا كي يبقى في مكانه، فلا عائلة تسنده، ولا طائفة تشد أزره، أو زعيم يحامي عنه: “لم أذق في حياتي طعم الإجازة أو التمتع براحة التسكع في أنحاء لا أعرفها. كل أيامي كانت عملًا بعمل” (ص 299): عمل في جريدة “السفير” وفي الجامعة اللبنانية، وفي جامعة سيدة اللويزة، وجامعة بيروت العربية، وظل دائمًا المناضل الذي لا يهدأ ولا يستكين في منظمة العمل الشيوعي. وقد اختار هذا القروي الفقير أن يكون يساريًا مدافعًا عن أبناء طبقته لتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين. ولا عجب في أن ينتمي، في أواسط الستينيات، إلى حركة القوميين العرب (ص 110)، وكان يجمع التبرعات للعمل الفدائي التي كانت تُرسل، في البداية، إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ثم صارت تُرسل إلى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بعد التحولات الماركسية التي دبّت في صفوف حركة القوميين العرب وفي حزب البعث بعد هزيمة 1967.

هذا الكتاب ليس مذكرات وكفى، أو سيرة ذاتية ونقطة على السطر، بل هو، فوق ذلك، كتاب في التاريخ اللبناني الحديث وفي الاجتماع اللبناني وفي تاريخ الصحافة في لبنان، وفي شوط من أشواط اليسار اللبناني. وهو أيضًا بحث سوسيولوجي عن الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت قبيل اندلاع الحرب الأهلية، وقبل أن يغادرها سكانها المسيحيون. وأخال زهير هوّاري مثل مكوك الحايك وهو يتنقل هنا وهناك ليكتب عن الحياة اليومية في حي ماضي (ص 61- 71)، وعن الهجرة والتهجير والفرز الطائفي والاستيلاء على الأملاك الخاصة وعلى البيوت التي خلت من سكانها بذريعة إسكان المهجّرين. وفي غضون صفحات هذا الكتاب وصف تفصيلي للشياح وعين الرمانة وشارع عبد الكريم الخليل ومعمل غندور ومعمل الرد شو RedShoe (لم يذكر معمل لافروتا) وطريق صيدا القديمة وشارع مارون مسك وكنيسة مارمخايل، وهي الأماكن التي رسمت جزءًا من خط التماس بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية إبان الحرب الأهلية.
نعثر في الكتاب أيضًا على تاريخ الشقاء الذي حلّ بهذا الشاب القروي الذي تشبث بمعاندة أحواله المتعاكسة والمتخالفة مثل وفاة زوجته مي حمود في الانفجار الذي وقع في شارع عفيف الطيبي في سنة 1981، فأفرد لها كتابًا مستقلًا جعل عنوانه “مي: تفاصيل على هامش الحرب الأهلية اللبنانية” (بيروت: دار الكتاب الحديث، 1989). غير أن ملائكته الحارسة وضعت أمام عينيه، وفي طريقه، امرأة اسمها “عاصمة” صارت زوجته، وعصمت قلبه من اللوعة. وكان التقاها في جريدة “السفير” فأحبها بعدما مسّت شغاف قلبه منذ اللحظة الأولى. وكان ذلك اللقاء أجمل ما حدث له في “السفير” (ص 187). وكان “المعصوم” زهير قد أمضى خمس سنوات في القسم الداخلي في أزهر لبنان تعلم فيه الطهارة والنجاسة والعبادات ومواقيت الصلاة والوضوء والسحور والنوم (ص 213). وفي حقبة الدراسة في أزهر لبنان في محلة عائشة بكار راح يتعرف إلى المدينة بالتدريج، ووصل في استكشافه إلى البحر، وسبح، أول مرة، في محلة الدالية بعدما كان يسبح في نهر الليطاني. ومن أزهر لبنان مضى إلى جامعة الأزهر في القاهرة التي نال منها شهادته الجامعية. ومع ذلك لم يصبح شيخًا أو إسلاميًا، بل “انحرف” إلى الصحافة، مع أنه فشل في الانضمام إلى مجلة “بيروت المساء” المعروفة آنذاك لأن ياسر هوّاري رئيس تحريرها طلب منه تغيير اسم عائلته كي لا يتطابق ذلك مع عائلة رئيس التحرير فرفض (ص 160).
ونعثر في هذه السيرة الحافلة على حكايات عن بعض رفاقه في منظمة العمل الشيوعي مثل حادثة اغتيال حسن بزون، شقيق صديقنا أحمد بزون، وهي حادثة شديدة الإيلام (ص 142 –143). وفيها أيضًا قصة منظمة العمل الشيوعي (التي صار اسمها منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني وهو اسم أطول من رحمة ربنا)، خصوصًا في حقبتها الأخيرة بعد رحيل الرجل الاستثنائي محسن إبراهيم وقبله خالد غزال ومحمد مروة (أبو حسن).
IV
اكتشف زهير هوّاري مبكرًا أن الفلاحين في قريته غرباء عن الله، ولا يتعرفون إليه إلا لمامًا، ثم ينسونه (ص 280). وهو نفسه يعترف بأنه لم يصم رمضان قطّ، بل كان يدّعي الصيام ويتسلل إلى غرفة المؤونة ويأكل ما يجده. كما أنه لم يزكِّ ماله لأنه، بكل بساطة، لم تكن لديه أموال. ولم يذهب إلى الحج البتة ولن يذهب (ص 181). وكان يسهر طوال ليلة القدر ليرى هل صحيح أن الأشجار تسجد لخالقها في تلك الليلة، وتنقلع من جذورها، ثم تعود لتنتصب مجددًا حالما تنتهي من صلاتها؟ (ص 253). ومع أن التمرد كان قرينه منذ الطفولة إلا أن الجرأة على الذات غابت عن هذه السيرة تمامًا، فلم يكن لشيطنات المراهقة واكتشاف الجسد نصيب من صفحات هذا الكتاب. لعله الخجل الطبيعي هو السبب في هذا الإخفاء، وفي عدم البوح والاعتراف، كأن زهير هوّاري ما برح فلاحًا في القرية، أو أزهريًا في المدينة.
أجمل ما في هذه السيرة، فضلًا عن طفولته ونشأته، حواره مع الله. وذلك الحوار هو، في العمق، محاكمة لله على استنكافه عن مقاومة الشر، كأنه يستعير من أبيقور مقولته المشهورة وهي أن الله إذا كان يريد أن ينزع الشرور من العالم ولم يستطع فسيكون عاجزًا. وإذا كان قادرًا ولم يُرِد فسيكون شريرًا ينكل بالبشر. وإذا أراد ذلك وكان قادرًا فلماذا لم ينزعها؟ ولهذه الأسباب، طلب زهير من الله ألا يُرسله إلى الجنة لأنه لا يطيق الحياة فيها (ص 284)، ولا يحتمل كلّ من طبع على جبهته زبيبة (تطبيقًا للآية 29 من سورة الفتح: “سيماهم في وجوههم من أثر السجود”)، والأجدى أن يُرسله إلى جهنم ليعيش مع مَن لم تصلهم رسالة التوحيد المحمدية أو أنكروا وجودها (ص 286).
لا يهتم زهير هوّاري بالجواب الإلهي، ولا يعنيه ما سيكون عليه الجواب، بل يخاطبه بالتالي: “أُغادر الدنيا دون مال ولا ولد. تقول في محكم كتابك: ’المال والبنون زينة الحياة الدنيا’. لا زينة من أي منهما لدي (…). أَرحلُ من دون أن أترك ورائي سوى سيدة الوحدة الجليلة الجميلة: زوجتي عاصمة”. وقصارى الكلام في هذا المقام هي أن تذكرات زهير هوّاري ليست رحلة نحو الفناء، بل هي رحلة مضادة للفناء تمامًا، ومكرّسة لاشتيار أعسال الحياة وفنون البقاء، بمراراتها وهي كثيرة، وبحلاوتها وهي قليلة.



