أي دولة يريدها سمير جعجع؟.. قراءة في خطاب الخمسين عاماً “للقوات اللبنانية” – زكــي طــه

كتب زكــي طــه في بيروت الحرية
ليست كلمة سمير جعجع في الذكرى الخمسين لتأسيس “القوات اللبنانية” مجرد خطاب تعبوي في مناسبة حزبية. فهي تقدم، إلى جانب استعادة تاريخ التنظيم وروايته عن نفسه، تصوراً للحظة اللبنانية الراهنة، ولأزمة الدولة والسيادة والسلاح، ولسبل الخروج من المأزق الذي يعيشه البلد.
وهذا ما يجعلها جديرة بالنقاش، لا من موقع الاصطفاف المقابل، ولا دفاعاً عن “حزب الله” أو سلاحه، بل من موقع يساري ديمقراطي، يرى أن أزمة لبنان أعمق من الصراع بين طرفين، وأن استعادة الدولة لا تتحقق بانتصار أحدهما على الآخر.
ففي خطاب جعجع قضايا حقيقية لا يجوز إنكارها لمجرد أن “القوات اللبنانية” هي التي تطرحُها. ثمة أزمة دولة وسيادة، واستحالة لاستمرار قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الشرعية، وضرورة لإنهاء ازدواجية السلاح والسلطة، كما ثمة حاجة إلى إصلاح المؤسسات ومواجهة الانهيار الاقتصادي والمالي.
لكن الاتفاق على بعض هذه العناوين لا يلغي السؤال عن مضمونها: أي دولة نريد؟ وأي سيادة؟ ولصالح أي مجتمع؟ ومن هي القوى القادرة فعلاً على بنائها؟
خمسون عاماً… وأي قراءة للتاريخ؟
يقدم جعجع تاريخ “القوات اللبنانية” باعتباره مسيرة متصلة من “التضحية والمقاومة دفاعاً عن وجود لبنان”.
لكن خمسين عاماً من تاريخ لبنان لا يمكن اختصارها برواية طرف واحد عن نفسه. فالقوات لم تولد خارج الحرب الأهلية، بل في قلبها، وكانت، كغيرها من القوى المسلحة التي أنتجتها تلك الحرب، طرفاً في الصراع الأهلي وفي الانقسامات الطائفية التي مزقت المجتمع والدولة.
ولا يعني ذلك محاكمة الحاضر بصورة ميكانيكية بالماضي، أو إنكار التحولات التي طرأت على “القوات” بعد انتقالها إلى العمل الحزبي والسياسي. لكنه يعني أن المراجعة التي تطالب الآخرين بالاعتراف بأخطائهم تفقد الكثير من صدقيتها عندما تستثني الذات.
فالحرب اللبنانية لم تكن مواجهة بين أخيار وأشرار، بل مأساة وطنية شاركت في إنتاجها، بدرجات ومسؤوليات مختلفة، قوى داخلية وخارجية، وكان النظام الطائفي أحد الشروط التي أتاحت لها أن تتحول إلى حرب أهلية طويلة.
وإذا كانت “القوات” تريد اليوم تقديم نفسها قوة لبناء الدولة، فإن علاقتها بتاريخها وبالنظام الذي خرج من الحرب ليست مسألة من الماضي فقط. إنها جزء من السؤال عن قدرتها على تجاوز البنية الطائفية التي أسهمت في تكوينها وما زالت تستمد منها جانباً مهماً من قوتها السياسية ودورها في البلد.
حصرية السلاح… ولكن هل تكفي؟
يصيب خطاب جعجع عندما يؤكد أن قيام دولة فعلية لا يستقيم مع استمرار قوة عسكرية وأمنية مستقلة عنها.
صحيح لا دولة يكون فيها قرار الحرب والسلم موزعاً بين المؤسسات الدستورية وتنظيم مسلح يمتلك قراره العسكري ويرتبط، في الوقت نفسه، بحسابات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية. وقد دفعت البلاد، وخصوصاً أهل الجنوب، أثماناً فادحة لانخراط لبنان في صراعات لم يكن شعبه صاحب القرار فيها.
لكن صحة هذا المبدأ لا تجعل المقاربة القواتية له صحيحة بكاملها. فالمشكلة تبدأ عندما تتحول حصرية السلاح من قضية وطنية جامعة إلى عنوان لانتصار فريق سياسي وأهلي على فريق آخر. لأن الانتقال من هيمنة السلاح إلى منطق الغلبة لا يبني دولة، بل يعيد إنتاج الانقسام بأشكال جديدة.
إن إنهاء الحالة العسكرية المستقلة لـ”حزب الله” ضرورة لبنانية قبل أن يكون مطلباً خارجياً. لكن هذه العملية لا يمكن فصلها عن بناء قدرة الدولة الدفاعية، وعن معالجة الاحتلال والعدوان الإسرائيلي، وعن إخضاع السياسة الدفاعية كلها لقرار المؤسسات الدستورية.
وهنا تكمن أيضاً مشكلة واضحة في خطاب جعجع. فنقد استخدام إسرائيل والعدوان الإسرائيلي ذريعة لتبرير سياسات “حزب الله” أمر مشروع وضروري. لكنه في معرض نقده الخطاب الذي يحمّل إسرائيل والولايات المتحدة مسؤولياتهما، ينتقل من نقد الشعارات العاجزة التي تكتفي بالحديث عن اسرائيل وفق صيغة “لعن الظلمة”، إلى ما يكاد يكون إزاحةً للعامل الإسرائيلي نفسه من تفسير المأساة اللبنانية.
فإسرائيل ليست حجة أيديولوجية. إنها قوة احتلال وعدوان، ومسؤوليتها عن القتل والتدمير لا تلغي مسؤولية القوى اللبنانية عن خياراتها، مثلما أن مسؤولية هذه القوى لا تلغي مسؤولية إسرائيل.
الموقف الوطني المستقل يجمع بين الأمرين: مواجهة العدوان الإسرائيلي ورفض تحويل لبنان إلى ساحة للسياسة الإيرانية في آن واحد.
الدولة العميقة… أم النظام الطائفي؟
يولي جعجع مساحة واسعة لما يسميه الدولة العميقة، ويقدمها بوصفها شبكة مصالح وأجهزة ومرجعيات نشأت في زمن الوصاية السورية واستمرت في زمن النفوذ الإيراني، واستخدمت مؤسسات الدولة لتعطيل قيام الدولة الفعلية.
وفي هذا التشخيص جانب من الحقيقة، لكنه ليس الحقيقة كلها. فالدولة اللبنانية لم تصبح دولة محاصصة وفساد وشبكات مصالح بفعل “حزب الله” وحده، ولا بفعل الوصاية السورية وحدها. إنها بنية سياسية طائفية شاركت معظم قوى النظام في إنتاجها وإعادة إنتاجها عبر تقاسم المؤسسات والتعيينات والخدمات والموارد والنفوذ.
و”القوات اللبنانية” ليست قوة تقف خارج هذا النظام. إنها أحد أحزابه الأساسية، ممثلة في البرلمان والحكومة، وتخوض صراعاتها السياسية والانتخابية ضمن قواعده الطائفية، وتشارك في التنافس على مواقع السلطة فيه.
ومن هنا فإن تفكيك الدولة العميقة لا يمكن أن يعني تنظيف المؤسسات من نفوذ الخصم، والإبقاء على الآليات نفسها التي تسمح للقوى الطائفية الأخرى بالاستحواذ عليها.
الدولة العميقة في لبنان أوسع من شبكة مرتبطة بمحور سياسي بعينه. إنها أيضاً النظام الذي يجعل الطائفة مدخلاً إلى الدولة، والزعيم وسيطاً بين المواطن وحقوقه، والمحاصصة بديلاً من المؤسسات.
وهنا تحديداً يظهر التشابه البنيوي بين القوى الطائفية، من دون الوقوع في مساواة سياسية زائفة بينها. فـ”حزب الله” يحتفظ اليوم بقوة عسكرية مستقلة عن الدولة، فيما تعمل “القوات” راهناً كحزب سياسي غير مسلح داخل المؤسسات، وهذا فارق جوهري لا يجوز طمسه. لكن الطرفين نشأ تاريخياً في بيئة طائفية مثقلة بالخوف على الجماعة، وكلاهما بنى جزءاً من شرعيته بقوة السلاح من الخارج من ناحية، و على ادعاء حمايتها في مواجهة خطر وجودي من ناحية أخرى، وكلاهما يميل إلى تقديم نفسه ممثلاً لمصلحة تتجاوز حزبه وطائفته، فيما يبقى جزءاً من نظام يقوم أساساً على تنظيم اللبنانيين بوصفهم جماعات طائفية متنافسة.
والدولة الوطنية لا يمكن أن تكون دولة “المسيحي القوي” في مواجهة “الشيعي القوي”، ولا حاصل توازن بين زعامات الطوائف. إنها دولة مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
السيادة ليست استبدال وصاية بأخرى
يضع جعجع اللحظة العربية والدولية الراهنة في قلب فرص قيام الدولة، ويدعو إلى التقاطها.
ولا خلاف على أن لبنان يحتاج إلى علاقات عربية ودولية واسعة، وإلى التعامل الواقعي مع موازين القوى. لكن ثمة فارقاً بين سياسة خارجية تنطلق من المصلحة الوطنية وبين جعل المواقف الخارجية مصدراً لتعريف هذه المصلحة.
فالسيادة لا تتحقق بالخروج من الارتهان لإيران للالتحاق بمحور دولي أو إقليمي آخر. ورفض الدور الإيراني في لبنان لا يكتمل إلا بالقدرة نفسها على رفض الشروط الإسرائيلية والضغوط الأميركية، أو أي تدخل خارجي يتعارض مع مصالح البلد وحقوق شعبه.
السيادة ليست اختيار الوصاية الأقل سوءاً، بل امتلاك القدرة على اتخاذ القرار الوطني المستقل في مواجهة الجميع.
أين المجتمع في “الدولة القوية”؟
لا تكتمل قراءة خطاب جعجع من دون التوقف عند البعد الاقتصادي والاجتماعي. فهو يتناول الأزمة المالية، وحقوق المودعين، وإعادة تشغيل القطاع المصرفي، والقوانين المطلوبة، والعلاقة مع صندوق النقد، وهي قضايا فعلية وملحة. لكن ما يغيب عن الخطاب هو السؤال الذي ينبغي أن يكون في قلب أي مشروع لإعادة بناء الدولة من يتحمل خسائر الانهيار؟ وأي اقتصاد نريد بعد انهيار النموذج الذي قاد إليه؟
فالأزمة لم تكن مجرد شلل في القطاع المصرفي يحتاج إلى إصلاح وإعادة تشغيل. لقد كانت انهيار نموذج اقتصادي ـ سياسي قام على الريع والدين وتركيز الثروة وإضعاف الاقتصاد المنتج. وترافق مع المحاصصة والفساد وتراجع الخدمات العامة، وانتهى إلى تحميل المجتمع، وخصوصاً أصحاب الأجور المحدودة وصغار المودعين والفئات الوسطى والفقيرة، قسماً كبيراً من خسائره.
وهنا لا يختلف خطاب “القوات” جذرياً عن الثقافة الاقتصادية والاجتماعية التي حكمت معظم قوى النظام. فهي تختلف بشدة حول السلطة والسلاح والسياسة الخارجية وحصص الطوائف، لكن العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة والعبء الضريبي وبناء الحماية الاجتماعية لا مكان لها في صلب مشاريعها.
وهذا ليس نقصاً جانبياً في تصور الدولة. فالدولة التي يريدها أكثرية اللبنانيين، ليست فقط جيشاً وقضاءً وإدارة ومصرفاً مركزياً ومؤسسات منتظمة. إنها أيضاً مدرسة وجامعة ومستشفى وضمان اجتماعي ومعاش تقاعدي وحق في العمل، ونظام ضريبي عادل، واقتصاد منتج، وحماية لأصحاب الأجور والفئات المتوسطة والدنيا التي دفعت ثمن الانهيار.
الدولة الديمقراطية لا تكون مكتملة إذا كانت سيدة على أرضها، لكنها عاجزة عن تحقيق الحد الأدنى من العدالة بين مواطنيها.
الدولة ليست غنيمة المنتصر
هنا نصل إلى المفارقة الأساسية في خطاب جعجع. حيث ينطلق من مطلب مشروع هو استعادة الدولة، لكنه يقدمه، في جوانب أساسية، كما لو أن سقوط هيمنة “حزب الله” وتراجع النفوذ الإيراني يفتحان تلقائياً الطريق أمام الدولة الفعلية.
لكن الأمر أكثر تعقيداً. لأن إنهاء ازدواجية السلاح شرط ضروري لقيام الدولة، لكنه ليس الدولة نفسها. كما وأن إنهاء نفوذ محور خارجي لا يحقق السيادة إذا استبدل بمحور آخر. وتحرير المؤسسات من هيمنة فريق لا يصنع دولة إذا بقيت المحاصصة الطائفية هي القاعدة التي تحكمها. وإعادة تشغيل المصارف لا تعيد بناء الاقتصاد إذا جرى مرة أخرى تحميل المجتمع خسائر النظام الذي انهار.
لذلك فإن التحدي الذي يواجه لبنان ليس أن ينتصر نصف البلد على نصفه الآخر، بل أن يخرج اللبنانيون من المعادلة التي جعلت كل جماعة تبحث عن قوتها في ضعف الدولة.
المطلوب دولة تحتكر حق حمل السلاح والقرار الأمني والعسكري بلا استثناء، تواجه الاحتلال والعدوان الإسرائيلي من موقع وطني مستقل، وترفض في الوقت نفسه تحويل لبنان إلى ساحة وميدان لأي مشروع إقليمي. دولة تحرر مؤسساتها من المحاصصة وشبكات الطوائف والزبائنية، وتعيد بناء الاقتصاد على قاعدة الإنتاج والعدالة الاجتماعية، وتضع حقوق المواطنين ومصالحهم في صلب معنى السيادة.
وهذه الدولة لن تبنيها “القوات اللبنانية” وحدها، ولن يبنيها “حزب الله”، ولن تنتجها أحزاب الطوائف بمجرد إعادة توزيع موازين القوى فيما بينها.
إن بناد الدولة يحتاج إلى إعادة بناء مجال وطني ديمقراطي مستقل، يتجاوز الاصطفاف الطائفي والمحاور الخارجية، ويجمع بين السيادة والديمقراطية، وبين الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية، وبين حصرية الدولة للسلاح وحق المجتمع في مراقبة هذه الدولة ومحاسبتها وتغييرها.
ومن هنا فإن السؤال الذي تطرحه كلمة سمير جعجع يتجاوز “القوات اللبنانية”:
هل آن أوان الدولة؟ نعم، وقد آن منذ زمن طويل.
لكن السؤال الأصعب يبقى:
هل تستطيع القوى التي بنت مواقعها ونفوذها داخل النظام الطائفي أن تتجاوز فعلاً شروط وجودها، وأن تشارك في بناء دولة مواطنين تنهي امتيازاتها هي أيضاً؟
هنا يبدأ الامتحان الحقيقي. فالدولة لا تولد من انتصار طائفة على أخرى، ولا من انتقال الغلبة من محور إلى محور، بل عندما يصبح اللبنانيون قادرين على الاستغناء عن “دويلاتهم” الطائفية الصغيرة لأنهم وجدوا، أخيراً، دولتهم الوطنية الواحدة



