خبر عاجلسياسةمقالات

أميركا وإسرائيل: تحالف المصلحة لا التوأم السياسي… ولبنان في قلب العاصفة المقبلة

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365
أميركا وإسرائيل: تحالف المصلحة لا التوأم السياسي… ولبنان في قلب العاصفة المقبلة
 ميرنا دلول – مناشير 
من يظنّ أن الولايات المتحدة وإسرائيل وجهان لعملة واحدة، يُخطئ في قراءة تاريخ العلاقات بين الطرفين. فصحيح أن المصالح تتقاطع، وأن الدعم الأميركي لتل أبيب ثابت في الخطاب والسياسة والمال، لكنّ الحقيقة الأعمق أن واشنطن لا ترى في إسرائيل أكثر من أداة مؤقتة لتحقيق استراتيجياتها الكبرى في الشرق الأوسط، لا شريكًا متكافئًا. أميركا لا تُقاتل لأجل أحد، بل تُدير اللعبة لتربح وحدها، ومصلحتها — كما أثبت التاريخ مرارًا — تعلو فوق الجميع، حليفًا كان أم خصمًا.
الحديث المتجدد عن وقف إطلاق النار في غزة يبدو أقرب إلى تكتيك سياسي من كونه خطوة نحو حلّ دائم. فالإدارة الأميركية تضغط على إسرائيل للقبول بهدنة قصيرة الأمد، لا بدافع إنساني، بل لحساباتٍ أوسع: تهدئة الساحة مؤقتًا، وإعادة تموضع الميدان قبل إعادة إشعال النار مجددًا. لا يلبث الدخان أن ينقشع حتى تعود القذائف إلى مسارها الطبيعي.
الهدوء النسبي، إذًا، هو خدعة سياسية لتوجيه البوصلة الإعلامية، وشراء الوقت في لحظة تتقاطع فيها مصالح واشنطن في أكثر من ملف.
في المقابل، تتجه الأنظار إلى سوريا، حيث مؤشرات التصعيد تتكاثر. فكلما خمدت جبهة، اشتعلت أخرى. من الجنوب السوري إلى الشمال الشرقي، ثمة إشارات إلى مرحلة قتال أعنف قادمة. هذا التحوّل ليس صدفة، بل جزء من توزيعٍ مقصود للنار على أكثر من رقعة. حين تُفتح الجبهة السورية على مصراعيها، ينصرف اهتمام الإعلام والرأي العام العربي والعالمي عن غزة، لينشغل مجددًا بدماء السوريين، فيما تمرّ الملفات الأخرى بهدوء من تحت الطاولة.
وسط هذا التشويش المتعمّد، تتهيأ واشنطن لفتح ملفّ لبنان من جديد. بعد كل دخان الحرب في الجنوب، وبعد كل هدنة مؤقتة، يتقدّم ملفّ ترسيم الحدود البحرية واستثمار الغاز كأولوية خفيّة. تريد أميركا توقيع اتفاق رسمي مع الدولة اللبنانية حول الغاز والبترول، مستفيدةً من الانهاك العام، ومن حاجة الجميع إلى الاستقرار الاقتصادي بعد العواصف العسكرية.
لكن هذا المسار لن يكون بلا أثمان، إذ إن إسرائيل — التي ترى نفسها صاحبة “الحقّ الحصري” في ثروات شرق المتوسط — لن تتقبّل بسهولة أن تُقصى من المشهد. هنا يبدأ الصدام الحقيقي بين واشنطن وتل أبيب، صدام المصالح لا صدام المبادئ.
في هذا السيناريو المعقّد، قد لا تختار الولايات المتحدة مواجهة إسرائيل مباشرة. فالأفضل لها أن تترك حزب الله يقوم بالمهمة، ليكون الصدام “محليًا” على الأرض اللبنانية، فيما تُحافظ واشنطن على مسافةٍ آمنة من النار.
ومن هنا نفهم لماذا لم يُسلَّم سلاح حزب الله رغم الضغوط الدولية والعقوبات والقرارات الأممية. فلو أرادت القوى الكبرى نزعه فعلاً، لفُرض ذلك خلال ليلة واحدة. لكن بقاء السلاح هو حاجة توازن، لا عبث سياسي، ومصلحة إقليمية تُبقي لبنان قابلًا للاستخدام عند الحاجة.
هكذا تبدو لوحة الشرق الأوسط اليوم: غزة تُشعلها هدنة موقوتة، سوريا تتحضّر لاشتباكٍ أعنف، ولبنان يُساق إلى لحظة مفصلية حول ثروته الغازية وموقعه في لعبة الأمم.
أميركا تُمسك بالخيوط جميعها — لا حبًا بالاستقرار، بل طمعًا بالسيطرة على مصادر الطاقة الجديدة التي تُعيد رسم خريطة النفوذ في المتوسط.
أما إسرائيل، التي اعتادت أن تكون الأداة المطيعة، فتبدأ اليوم بالشعور أنها لم تعد وحدها محور القرار.
في النهاية، ما يجري ليس سلسلة حروبٍ عشوائية، بل خطة متكاملة تُدار من بعيد: إشعالٌ في غزة، تسخينٌ في سوريا، وتهيئةُ أرضٍ رخوة في لبنان.
وما بين كل ذلك، تُعيد واشنطن رسم المشهد بما يضمن أن تبقى صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في شرقٍ لا يعرف الهدوء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى