قطر والصين.. شراكة استراتيجية في زمن التحول الدولي

بقلم: وائل خليل ياسين
رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية ، استشاري وخبير متخصص في السياسات الصينية لشؤون غرب آسيا وشمال أفريقيا .
لم تعد العلاقات الصينية–العربية تتحرك في إطار العلاقات الاقتصادية التقليدية، كما لم يعد الخليج مجرد منطقة للطاقة في الحسابات الدولية. فالعالم يعيش مرحلة انتقالية تتسارع فيها إعادة تشكيل موازين القوة، وتتقدم فيها التعددية القطبية، بينما تبحث الدول عن شراكات أكثر تنوعاً واستقراراً، تقوم على المصالح المشتركة والتنمية والاحترام المتبادل للسيادة.
من هذا المنظور، فإن لقاء رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ مع رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني في بكين، لا ينبغي قراءته باعتباره لقاءً ثنائياً عادياً، وإنما باعتباره مؤشراً على مرحلة جديدة في العلاقات الصينية–القطرية، وفي مسار العلاقات الصينية–الخليجية بصورة أوسع. فقد بحث الجانبان توسيع التعاون في الاقتصاد والاستثمار والتجارة والطاقة والتكنولوجيا، إلى جانب التطورات الإقليمية، فيما طرحت بكين مجالات أوسع تشمل الطاقة التقليدية والجديدة، والبنية التحتية، والذكاء الاصطناعي والقطاع المالي.
وهنا تكمن أهمية الزيارة؛ فالطاقة كانت على مدى عقود أحد أهم الجسور التي ربطت قطر بالصين، ولا تزال كذلك. لكن العلاقة التي تتشكل اليوم تتجاوز معادلة الغاز والتجارة إلى بناء مصالح أكثر تنوعاً واستدامة.
فالتعاون في الطاقة الجديدة، على سبيل المثال، يعكس إدراكاً مشتركاً بأن أمن الطاقة في المستقبل لن يقوم على مصدر واحد، وأن التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الكربون يحتاج إلى استثمارات وتقنيات وشراكات طويلة الأمد. وتمتلك قطر خبرة ومكانة بارزة في قطاع الطاقة، بينما تمتلك الصين قاعدة صناعية وتكنولوجية واسعة، ما يجعل التكامل بين الطرفين فرصة لتطوير مشاريع تتجاوز تصدير الطاقة إلى المشاركة في صناعة تقنيات الطاقة المستقبلية.
والأمر ذاته ينطبق على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. فالاقتصاد العالمي يدخل مرحلة يصبح فيها امتلاك المعرفة والبيانات والبنية التكنولوجية عاملاً أساسياً في القوة الاقتصادية للدول. ولذلك فإن إدراج الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ضمن أجندة التعاون الصيني–القطري يحمل دلالة تتجاوز التعاون التقني؛ فهو يعكس انتقال العلاقة من تبادل السلع إلى المشاركة في بناء اقتصاد المستقبل.
أما الاستثمار، فهو المسار الذي يمكن أن يحول التفاهمات السياسية والاقتصادية إلى مصالح ملموسة. وقد أكد الجانب الصيني ترحيبه بالاستثمارات القطرية في الصين، ودعمه لزيادة استثمارات الشركات الصينية في قطر، بما يرفع جودة وكفاءة الاستثمار المتبادل. وهذه النقطة مهمة، لأن العلاقة الاستراتيجية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم التجارة، وإنما بقدرتها على إنتاج مشاريع مشتركة وسلاسل قيمة وفرص تنمية في البلدين.
ومن هنا أيضاً تأتي أهمية التعاون في البنية التحتية والتصنيع المتقدم والقطاع المالي. فهذه القطاعات تمثل حلقات مترابطة في الاقتصاد الجديد: البنية التحتية توفر الأساس، والتكنولوجيا ترفع القيمة المضافة، والتصنيع يخلق فرص الإنتاج، والقطاع المالي يوفر أدوات تمويل التوسع والاستثمار. وإذا استطاعت الدوحة وبكين الربط بين هذه المسارات، فإن الشراكة يمكن أن تنتقل من مستوى التعاون القطاعي إلى مستوى منظومة اقتصادية متكاملة.
لكن الاقتصاد لا يعمل في فراغ. فالاستقرار الإقليمي يمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي مشروع تنموي أو استثماري، ولذلك جاءت التطورات الإقليمية حاضرة في محادثات بكين. وقد أكدت الصين استعدادها للعمل مع قطر ودول الخليج والمجتمع الدولي من أجل دعم السلام والاستقرار في المنطقة، بالتوازي مع تعزيز التنسيق والتعاون متعدد الأطراف.
وهنا تبرز خصوصية الدور القطري. فقد استطاعت الدوحة خلال السنوات الماضية أن تبني لنفسها مساحة دبلوماسية واسعة، وأن تحافظ على قنوات اتصال مع أطراف مختلفة، وهو ما منحها قدرة على لعب أدوار الوساطة في أزمات إقليمية ودولية. وفي المقابل، تنطلق الصين من شبكة واسعة من العلاقات مع دول المنطقة، ومن رؤية تؤكد الحوار والتنمية والأمن المشترك. والتقاء هذين المسارين يمكن أن يساهم في تعزيز الاستقرار بدلاً من تكريس الاستقطاب.
ومن الخطأ، في تقديري، وضع هذه العلاقة في إطار المنافسة الصينية–الأمريكية فقط. فالدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج، لا تحتاج إلى استبدال شريك بشريك، وإنما تحتاج إلى توسيع خياراتها وبناء شبكة متوازنة من العلاقات الدولية. وهذا هو جوهر التعددية: أن تمتلك الدول القدرة على التعاون مع مختلف القوى وفق مصالحها الوطنية، من دون أن تتحول الشراكات الاقتصادية إلى اصطفافات سياسية مفروضة.
ومن هذه الزاوية، فإن الشراكة الصينية–القطرية تحمل دلالة أوسع من حدود البلدين. إنها تعكس قدرة العالم العربي والصين على بناء نموذج للعلاقات يقوم على التنمية والمصالح المشتركة، وليس على منطق الهيمنة أو التبعية.
لقد كانت الطاقة جسراً مهماً بين قطر والصين، لكن الجسر الجديد يتسع ليشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاستثمار والتصنيع والتمويل والطاقة الجديدة. وهذا التحول هو الذي يمنح العلاقة فرصة حقيقية للدخول في مرحلة أكثر نضجاً واستدامة.
إن العالم يتغير، ومعه تتغير طبيعة الشراكات. وفي زمن التحول الدولي، لن تكون القوة في امتلاك أكبر عدد من الحلفاء، بل في القدرة على بناء علاقات متوازنة تنتج التنمية والاستقرار وتفتح المجال أمام المصالح المشتركة.
ولذلك يمكن النظر إلى لقاء بكين باعتباره خطوة في مسار أكبر: مسار انتقال العلاقات الصينية–القطرية، والعلاقات الصينية–الخليجية عموماً، من شراكات تقوم على الطاقة والتجارة إلى شراكات تشارك في صناعة المستقبل.



