مقالات

الخروج من بيروت: حقيقة الضغط على عرفات خلال حصار 1982 ؟ – خالد العزي

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الخروج من بيروت: حقيقة الضغط على عرفات خلال حصار 1982 ؟ – خالد العزي

 

د.خالد العزي – مناشير

 

لطالما كان الحديث حول مغادرة الرئيس الراحل ياسر عرفات لبيروت في عام 1982 مثارًا للجدل، حيث تردد أن رحيله كان نتيجة لضغوط مارسها شخصيات سنية معينة. ولكن الحقيقة تبدو أكثر تعقيدًا بكثير، وتكشف عن واقع سياسي وعسكري شديد التوتر والصعوبة. في هذه الفترة، كان عرفات محاصرًا في بيروت مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بينما كانت المدينة تتعرض لحصار خانق من قبل القوات الإسرائيلية بقيادة أرييل شارون، الذي كان قد جعل من هذه المعركة قضية شخصية، حيث كان يسعى للانتقام من المقاومة الفلسطينية بكل الوسائل الممكنة.

الحصار الإسرائيلي والمعركة الشخصية لشارون

شهدت بيروت في صيف 1982 واحدة من أقسى حصارات القرن العشرين. فبينما كانت القوات الإسرائيلية تحاصر المدينة، كان أرييل شارون، وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، يتعامل مع المعركة ضد المقاومة الفلسطينية ليس فقط كصراع عسكري، بل كقضية شخصية. فقد كانت إسرائيل تسعى إلى تدمير البنية العسكرية والسياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وإضعاف القيادة الفلسطينية التي كانت قد أزعجت إسرائيل في العديد من المناسبات، وأصبحت تشكل تهديدًا مستمرًا على أمنها في المنطقة.

وفي هذه الظروف الصعبة، كان عرفات يحظى بتضامن واسع من قِبَل الحركة الوطنية اللبنانية، التي تضم فصائل مختلفة من اليسار واليمين، بالإضافة إلى العديد من الشخصيات السياسية اللبنانية المؤثرة. من أبرز هذه الشخصيات كان الراحل محسن إبراهيم، الذي كان أحد أبرز المناضلين اللبنانيين في ذلك الوقت، والشهيد جورج حاوي، القائد في الحزب الشيوعي اللبناني، وكذلك القائد وليد جنبلاط. هؤلاء وغيرهم من مناضلي بيروت الغربية كانوا يمثلون الحائط الصلب الذي صمد أمام الهجوم الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة.

الوساطة السوفياتية والتحديات أمام عرفات

في الوقت الذي كانت فيه القوات الإسرائيلية تلاحق المقاومة الفلسطينية في بيروت، دخل السوفيات على خط الوساطة، حيث أرسلوا قادة من الحركة الوطنية إلى السفارة الروسية في بيروت للتباحث بشأن المستقبل السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية. وكان جورج حاوي، أحد أبرز القادة في لبنان، في طليعة هذه الجهود، حيث التقى السوفيات مع القيادة الفلسطينية. وطلب السوفيات من عرفات اتخاذ قرار سريع بشأن مغادرة بيروت، محذرين إياه من أن البديل سيكون التدمير الكامل للمدينة.

ورغم المحاولات السوفياتية للتوسط، كانت المواقف العربية والدولية تخذل عرفات في تلك اللحظة. حيث كانت المواقف السوفياتية محكومة بمصالحها الخاصة، وكان الروس يفضلون أن يتخذ عرفات قرارًا بالرحيل حفاظًا على سلامته وقيادة المقاومة. لكن المشكلة الكبرى كانت في المواقف العربية، فقد كانت معظم الدول العربية، بما في ذلك سوريا وليبيا، لا تبدي الدعم الكامل لعرفات في تلك الأوقات الصعبة. أما بعض فصائل اليسار الفلسطيني، فقد زادت من ضغطها على القيادة الفلسطينية، معتبرة أن خيارات عرفات أصبحت محدودة للغاية، ولا بد من اتخاذ قرار سريع.

ضيق الخيارات وتدهور المواقف العربية

ومع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن عرفات قد أصبح في موقف حرج للغاية. فقد كان المحاصرون في بيروت على دراية تامة بأنهم لا يملكون القدرة على الصمود لفترة أطول. صحيح أن المقاومة كانت قوية، إلا أن الضغط العسكري الإسرائيلي كان يفوق قدرة الدفاعات الفلسطينية. إضافة إلى ذلك، بدأ عرفات يشعر بخيبة أمل من المواقف العربية، حيث كانت بعض الدول تلتزم الصمت التام، بل إن بعضها كان يراقب الوضع دون تقديم دعم حقيقي. وكان الأسد في سوريا، الذي كان يعد من أبرز حلفاء عرفات، يسعى في الوقت ذاته لتقليص دور منظمة التحرير الفلسطينية في صناعة القرار الفلسطيني. هذا التباين في المواقف العربية أضعف موقف عرفات وجعل خياراته أكثر ضيقًا.

التواصل مع الشخصيات السنية في بيروت

في خضم هذه الضغوط، وبعد المشاورات مع قادة الحركة الوطنية اللبنانية، قرر عرفات استشارة الفعاليات السياسية اللبنانية، وبالأخص الشخصيات السنية المؤثرة في بيروت. وعُقد لقاء مع تقي الدين الصلح، أحد أبرز القادة السياسيين السنيين في لبنان، حيث طرح عليه سؤالين حاسمين: “هل تنتظرون مساعدة خارجية للبقاء؟ وهل لديكم سلاح سري يمكن استخدامه؟” وكان رد عرفات صريحًا: “لا يوجد ما يرد على هذين السؤالين”، مما يعني أن الخيار الوحيد المتاح أمامه كان الخروج من بيروت.

التفاهمات مع المفتي حسن خالد

بعد هذا اللقاء، جرت مشاورات مع المفتي الراحل حسن خالد، الذي كان له دور محوري في تأمين خروج عرفات والمقاومة بسلام. وقد كان المفتي خالد في تلك المرحلة يمثل الشخصية الدينية المحورية في بيروت السنية، وله علاقات قوية مع معظم الأطراف اللبنانية. بناءً على تلك المشاورات، تم اتخاذ القرار النهائي بالمغادرة، مع التأكيد على أن يكون الخروج على شكل عملية منظمة وآمنة. وقد تولى المفتي مسؤولية تأمين هذه العملية، التي تمت بتنسيق دقيق لضمان سلامة القيادة الفلسطينية والمقاومة.

تأثير المغادرة على العلاقات الفلسطينية والسورية

بعد مغادرة بيروت، بدأت التوترات تظهر بين عرفات وحافظ الأسد. كان الأسد قد بدأ في تلك الفترة بالعمل على تقليص دور منظمة التحرير الفلسطينية في اتخاذ القرارات السياسية الكبرى، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. هذا التوجه السوري ساهم في تصاعد الخلافات بين الأسد و عرفات، حيث حاول الأسد فرض نفوذه على القضية الفلسطينية من خلال الضغط على منظمة التحرير وفصائلها المختلفة، ما أدى إلى مشاحنات سياسية كانت تتسم بالتوتر في السنوات التي تلت مغادرة بيروت.

إذن، مغادرة بيروت لم تكن نتيجة لضغوط شخصية من شخصيات سنية كما يُشاع، بل كانت نتيجة لتقييم دقيق للظروف العسكرية والسياسية التي كانت تحيط بعرفات وقيادته. كان هذا القرار مشتركًا بين عرفات وأبرز الشخصيات اللبنانية، خاصة في الحركة الوطنية، لكن عرفات أبقى هذه الورقة بيد المفتي حسن خالد لتأمين الحماية الإسلامية والوطنية، وكان يعتمد على رؤية استراتيجية لمواجهة التحديات المقبلة. كما أن العلاقات بين القوى الفلسطينية والإقليمية كانت في تلك اللحظات في أوج تعقيداتها، مما جعل مغادرة بيروت خيارًا لا مفر منه لحفظ ما تبقى من مقاومة وصمود في وجه الهجوم الإسرائيلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى