إسر/ائيل الكبرى، أم الشرق الأوسط العربي الجديد؟

هيفاء الخطيب
نجلس أمام شاشات التلفزة نشاهد الحقيقة التي تحدث عنها الغرب عارية من كل ستر، ونرى القمع للحريات وللعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وحق الحياة العيش بكرامة، لقد سقطت هذه المنظومة المتدنية على المستوى الأخلاقي وتبيّن أنها لم تكن سوى شعارات فارغة واهية يتغنّى بها أمام الإعلام، ونرى البعض يشجب ويدين ويندد، وآخر يلزم الصمت، وآخر عميل يجاهر بعمالته من دون خجل ولا وجل.. والكثير من الناس الذين أقبلوا على الملذات واللهو وحب الدنيا هم اختاروا الخذلان طوعاً وتقاعسوا عن مجرد رفع الصوت في وجه الظلم، وأيضاً لا ننسى العلماء وقد أصبح بعضهم على هامش المجتمع، فيما الذين درسوا الدين وتعلّموه وتحدثوا عن مبدأ الولاء والبراء، سكتوا عن قول الحق عندما جاء الموقف الحاسم وتكممت أفواههم واستسلموا لحكامهم، وأضحى الدين عندهم (انتقاء حسب الأهواء).
لقد صدق فينا اليوم، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك ان تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قال قائل: ومن قلّة يومئذ نحن؟ قال: بل أنتم كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن).
السؤال الذي نطرحه على أنفسنا إذاً لماذا يحدث كل هذا في دول العالم الإسلامي؟
باختصار لأن هذه الأمة ممزّقة ومشتّتة وليست أمة واحدة، إما أن تنهض معاً أو تسقط متفرقة، وان ملة الكفر مجتمعة وموحّدة، وان هذه الأمة بحاجة الى طوفان استبدال كي لا يبقى فيها جبان أو عاجز..
لقد أرانا الله سبحانه وتعالى الحق على لسان أعدائنا، لقد خرج الناس في تل أبيب للتنديد بالمجازر التي تجري في غزة وخرجت المظاهرات في كل دول العالم غير المسلمة التي لم تكن تعلم شيئاً عن فلسطين قبل عامين، وهي تهتف للقضية فقط احتاجوا الى معرفة الحقيقة، قال تعالى في كتابه الكريم (وان تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) صدق الله العظيم، وان هذا الاستبدال مخزٍ على مستوى الأمة، ونخشى العقوبة من الله تعالى على تقصيرنا تجاه إخواننا.
ان العدو الصهيوني هو الخنجر الذي غرز في خاصرة الأمة وهم في الأساس من وضعوا سياسة الإبادة والتطهير العرقي، فمنذ عام ١٩٤٨ كانت بداية الاحتلال المغتصب لأرضنا ثم خطة التهجير و«صفقة القرن» وإلغاء حق العودة، والآن خطة الجنرالات وعربات جدعون ١+٢ هي القاعدة في سلوك هذا المحتل على مر الزمن، وغزة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة. انه يريد إنهاء وجودنا على هذه الأرض، وان أطماعه لن تنتهي هنا لكنه سيزحف لابتلاع باقي الدول العربية، 100 عام وهم يحاولون نزع السلاح المقاوم والكل يعلم أن أي أمة تسلّم سلاحها يستباح عرضها وتنتهك حرماتها وتفقد تاريخها، وان ضاع تاريخنا فلن يكون لنا غد أو مستقبل وكانت وصايا جميع الشهداء على مرّ الزمن (لا تتركوا السلاح) والسلاح الذي يقتلنا اليوم ليس سلاح العدو فقط، وان الطوفان القادم سيكون أعظم، وسيقتلع الأنظمة العربية المستبدة الراكعة للغرب التي أوهمت شعوبها أنها لا تستطيع مواجهة الصهاينة، وان مواجهتها يعتبر بمثابة انتحار ولسوف يتزلزل عرشها وتسقط.
لقد أعادنا حدث السابع من أكتوبر الى رشدنا وأورثنا اليقظة والصحوة الإيمانية ودفعنا الى مراجعة واقعنا من جديد، وعدم قبول ما يجري لهذه الأمة من مهانة وذلّ وأن من ينادي بالسلام والتعايش تبيّن له انها أكبر كذبة في تاريخ هذا العصر، وان هذه المعركة عقائدية تهدف الى تحطيم إرادة غزة لانها تعلم ان غزة هي خط الدفاع عن كرامة أمة ولهزم آخر قلعة صامدة وان سقطت ستسقط كل القلاع الأخرى وان منفذي السابع من أكتوبر يعلمون حقيقة هذا الأمر ولم يكن طوفانهم مجرد وليد اللحظة ولكنه كان وما زال صرخة في وجه الاحتلال ونتيجة لسنين طويلة من الحصار والمجازر والتجويع والتهجير لهذا كانت التجهيزات والاعدادات من قبل والوعي لما سيحدث لاحقا وانه سيكون هناك صولات وجولات أخرى وستقرع طبول الحرب من جديد والكل يعلم انها معركة غير متكافئة بكل المعايير على الأرض والمقاومة الفلسطينية قد استنزفت كل ما لديها من طاقة ولم يعد هناك ما تخسره وقد جعلت العدو يدفع الثمن غاليا.
ما هو دورنا وواجبنا تجاه أمتنا؟ نقول ان التاريخ لن يرحم والأجيال لن تغفر التخاذل، فليكن هذا الحدث دافعا لوحدة حقيقية ولتنسيق سياسي عسكري يعيد للأمة هيبتها ومكانتها لتستيقظ من سباتها وان الدول العربية المعنية مباشرة ليست لوحدها، بل هي معركة أمة بأسرها وانها لن تغسل عارها إلّا بالتخلص من عامل الخوف وان الهيبة لن تسترجع إلّا عندما تتوحّد جميع الدول العربية والإسلامية برفع وإعلاء راية الجهاد كما فعل الرجال أسلافنا وعلى قاعدة «ما أخذ بالقوة لا يستردّ بالاستجداء إنما يستردّ بالقوة».
إذا تم ذلك فلن تكون هناك إسرائيل الكبرى، بل سيكون الشرق الأوسط الجديد، بقيادة عربية تكون فلسطين دولة عربية مستقلة وأساسية في هذا الشرق المشرق، وعندها ستكون المواجهة بين مشروع إسرائيل الكبرى وبين مشروع الشرق الأوسط العربي الكبير، وحتماً ستكون الغلبة للعرب أهل الأرض والتاريخ والحاضر والمستقبل.
* كاتبة فلسطينية



