هل تخلى نتنياهو عن الأكراد مقابل جنوب سوريا؟

دخالد العزي – مناشير
تخلت إسرائيل عن دعمها للقوات الكردية في شمال شرق سوريا بعد محادثات جرت في فرنسا مع الحكومة الانتقالية برئاسة الرئيس أحمد الشرع، وفقًا لشهود عيان على الاجتماع. ووفقًا لزعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، المسجون في تركيا، فمن المحتمل أن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حصلت على موافقة دمشق مقابل احتفاظ الجيش الإسرائيلي بالمواقع التي احتلتها إسرائيل في جنوب سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
التحولات العسكرية: الهجوم السوري على قسد
أصبح الهجوم السوري على مواقع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المؤيدة للأكراد ممكنًا بعد المحادثات السورية الإسرائيلية، وفقًا لمصادر مطلعة تحدثت لوكالة رويترز حول الاجتماع الذي عُقد في فرنسا مطلع يناير/كانون الثاني. ووفقًا لهذه المصادر، خلال المشاورات، اتهمت دمشق القيادة الإسرائيلية علنًا بدعم قسد، وطالبتها بالكف عن تحريض القوات الكردية على المقاومة المسلحة. عقب ذلك، أبلغ المسؤولون السوريون الإسرائيليين بنيتهم تنفيذ عملية للسيطرة على شمال شرق البلاد الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، حيث لم يُسجل أي اعتراض من جانب إسرائيل.
تسويات إسرائيلية-سورية: اتفاقات شرف وتنازلات
ووفقًا لعبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني المحتجز لدى السلطات التركية، فقد حصلت حكومة نتنياهو على تنازلات بشأن جنوب سوريا مقابل استسلام إقليم كردستان. وأوضح نواب أكراد زاروا أوجلان مؤخرًا في السجن للصحفيين أن رأيه كان مفاده أن إسرائيل ربما تكون قد حصلت من إدارة الرئيس أحمد الشرع على موافقة الجيش الإسرائيلي للاحتفاظ بمواقعه في مرتفعات الجولان، التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وفي السويداء، وهي محافظة جنوبية ذات كثافة سكانية درزية عالية.
آلية التنسيق الأمني: تحرك سوري-إسرائيلي تحت إشراف أمريكي
ويوافق أوجلان على أنه تم التوصل إلى اتفاقات غير رسمية بين إسرائيل وسوريا خلال اجتماع عُقد في فرنسا يومي 5 و6 يناير/كانون الثاني، بوساطة أمريكية. وفي ذلك الاجتماع، اتفق البلدان على إنشاء آلية تنسيق أمني لخفض حدة التوترات الحدودية. جاء في بيان مشترك صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية بعد الاجتماع: “اتفق الجانبان على إنشاء آلية مشتركة – شبكة اتصالات مخصصة – لضمان التنسيق الفوري والمستمر بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والتفاعلات الدبلوماسية والتجارية تحت إشراف الولايات المتحدة”.
الدور الأمريكي: جهود للتوصل إلى اتفاق أمني
ومنذ العام الماضي، سعت سوريا وإسرائيل إلى التوصل إلى اتفاق أمني يمثل مصالحة تاريخية، وكان الدافع الرئيس وراء ذلك إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، التي جعلت دمشق شريكًا في مكافحة الإرهاب. لكن جزءًا كبيرًا من هذا الدافع تعثر بسبب تردد حكومة نتنياهو في سحب قوات الجيش الإسرائيلي من المناطق الجنوبية السورية. ووفقًا لصحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، احتلت إسرائيل منذ سقوط نظام الأسد ما لا يقل عن 400 كيلومتر مربع من الأراضي السورية، بهدف إنشاء منطقة عازلة ومنع انتشار قوات شرع المتورطة في أعمال عنف طائفية وعرقية في المنطقة.
قسد: محاولات للتواصل مع إسرائيل
مع ذلك، اعترف مسؤولون كبار في قوات سوريا الديمقراطية علنًا بوجود اتصالات مع مسؤولين إسرائيليين، وأبدوا استعدادهم لتلقي أي مساعدة. وفي اجتماع عُقد في 17 يناير/كانون الثاني مع قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، في شمال العراق، اتهم المبعوث الأمريكي الخاص توماس باراك نظيره بالتلاعب بمسألة المساعدات الخارجية. ونقل موقع “ميدل إيست آي” القطري عن الدبلوماسي الأمريكي قوله: “أنت تحاول جرّ إسرائيل إلى صراع مع الإدارة الانتقالية السورية، لكن هذا لن يحدث”. وأوضح باراك أن مثل هذه المناورات تُنذر بخطر نشوب خلافات بين أكبر حلفاء الولايات المتحدة – إسرائيل وتركيا، التي تدعم سوريا.
الاشتباكات المستمرة: توتر على الأرض رغم وقف إطلاق النار
تستمر الاشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش الحكومي منذ نهاية الأسبوع، رغم إعلان وقف إطلاق النار. ونتيجة لذلك، لم يبقَ تحت سيطرة القوات الكردية سوى محافظة الحسكة الشمالية المتاخمة للحدود التركية. وبحلول مساء 20 يناير/كانون الثاني، أعلنت دمشق أنها ستمنح القوات الكردية مهلة أربعة أيام لوضع خطة لدمج الأراضي المتبقية في مؤسسات الدولة المشتركة، لكن كل المؤشرات تشير إلى أن هذا لم يوقف القتال. وفقًا لوزارة الدفاع السورية، قُتل ما لا يقل عن 11 جنديًا سوريًا منذ 20 يناير/كانون الثاني بسبب غارات شنتها قوات سوريا الديمقراطية. وأضافت الوزارة: “في اليوم الأول لوقف إطلاق النار، أطلق الأكراد النار على مواقع الجيش أكثر من 35 مرة”.
التدخلات التركية: تصعيد الوضع في المناطق الحدودية
وفي ذات السياق، تداولت وسائل الإعلام التركية تقارير تفيد بوصول مجموعات من الأكراد العراقيين إلى الحسكة، مستعدين لحمل السلاح ومساعدة إخوانهم السوريين. كما تشهد المناطق الجنوبية من تركيا، ذات الكثافة السكانية العالية من الأكراد، اضطرابات مدنية. تشير قوات سوريا الديمقراطية أيضًا إلى انضمام طائرات تركية مسيرة إلى الغارات على الحسكة. ولأكثر من عقد، سعت أنقرة إلى القضاء على ما يُسمى بالحكم الذاتي الكردي في شمال شرق سوريا، معتبرةً إياه مشروعًا انفصاليًا خطيرًا. ويبدو أنها تعتقد الآن أن لحظة الحقيقة قد حانت. وأكدت وزارة الدفاع التركية في 22 يناير/كانون الثاني: “تنفذ الحكومة السورية عمليات لمكافحة الإرهاب، وتهدف هذه العمليات إلى ضمان النظام العام وسلامة المواطنين. وستواصل تركيا دعم سوريا في حربها ضد التنظيمات الإرهابية، والمساهمة في تعزيز قدراتها الدفاعية انطلاقًا من وحدة البلاد وسلامة أراضيها”.
التحذير الكردي: صراع إقليمي محتمل بين تركيا وإسرائيل
فهل ذهب حلم قسد وحزب العمال الكردستاني في مهب الرياح بعد الهزيمة التي تلقوها في سورية وإضاعة فرصة الاندماج بالدولة السورية الجديدة؟
في النهاية، يمكن التوقف عند تصريحات عبد الله أوجلان للنواب الذين زاروه في السجن، حيث اعتبر أن تركيا ترتكب خطأ تاريخيًا إذا اعتقدت أنها تستفيد من تدمير الحكم الذاتي للأكراد. ويصدق هذا بشكل خاص إذا اقترن ذلك باستمرار الوجود الإسرائيلي في المحافظات الجنوبية السورية لأجل غير مسمى. ولم يوضح مؤسس حزب العمال الكردستاني السبب، لكن من المحتمل أنه كان يشير إلى احتمال نشوب صراع تركي إسرائيلي حول سوريا.



