ميشال ضاهر: هل فات الأوان لاستعادة الشارع السنّي في معركة البقاء السياسي؟

أسامة القادري / مناشير
في السياسة، الغياب لا يُغتفر، لا سيما حين يأتي على حساب من منحك ثقته وصوته في لحظة مفصلية. هذا هو الحال اليوم مع النائب ميشال ضاهر، الذي يواجه موجة استياء متصاعدة في البقاع الأوسط، تحديدًا في القرى ذات الغالبية السنية، على خلفية ما يُوصف بأنه تقصير متواصل وغياب طويل منذ انتخابات 2022.
ومع كل تحرّك جديد لضاهر في المنطقة، تعود الأسئلة ذاتها لتفرض نفسها: هل استنفد النائب المستقل رصيده الشعبي؟ وهل تكفي اللقاءات البروتوكولية وخطوط التواصل المستجدة لترميم علاقة شرختها اللا مبالاة. ليصف احد فعاليات البقاع الاوسط ان الضاهر خطف النيابة واختفى كما في استحقاق 2018.
فمنذ دخوله الحياة النيابية، حافظ الضاهر على نمط سياسي قائم على الحضور الإعلامي أكثر من الميداني، وعلى التموضع المالي أكثر من الشعبي. وفي الوقت الذي كانت فيه القرى البقاعية تتخبط بأزمات معيشية وخدماتية خانقة، غاب صوته كليًا عن الملفات الإنمائية والتشريعية التي تهم ناخبيه.
ما زاد الطين بلّة، هو أن من قدّموه إلى الندوة البرلمانية – وهم نسبة وازنة من السنّة – شعروا بأنهم استُخدموا كرافعة انتخابية لا أكثر، ثم تُركوا على قارعة الإهمال، دون زيارة أو متابعة أو حتى موقف علني تجاه قضاياهم، فلا يخفي بقاعيون انهم ينتظرون الاستحقاق النيابي ليحاسبوا من صوتوا له.
فالانتخابات البلدية الأخيرة في زحلة كانت شاهدة حيث شكّلت محطة فاصلة في مسيرة ضاهر السياسية، وألحقت به ااهزيمة القاسية أمام لائحة “القوات اللبنانية”، بفارق تخطّى 6000 صوت، أظهرت حجم التراجع في نفوذه داخل الشارع المسيحي الذي شكّل سابقًا جزءًا من رصيده.
هذا التراجع فتح الباب أمام خصومه للانقضاض على ما تبقى من نفوذه في دائرة زحلة، بينما أدرك هو متأخرًا أن الورقة الوحيدة التي لا تزال بيده، هي استعادة الصوت السنّي، ولكن هل يكفي استدعاء التحالفات الموسمية لذلك؟
تحالفات ظرفية ومقاربات انتخابية تقليدية
في محاولة منه لاستباق الاستحقاق النيابي المقبل، بدأ ضاهر فتح قنوات تواصل مع شخصيات سنيّة محلية، بعضها مقرّب من تيار المستقبل، وأخرى مرتبطة بدوائر خارجية، منها السعودية وبهاء الحريري.
لكنّ هذه الخطوة، ورغم كونها منطقية من زاوية “تركيب اللائحة”، تُطرح حولها علامات استفهام عدة:
هل يكفي ترشيح اسم سني على لائحته لضمان الحاصل الانتخابي؟
وهل يمكن شراء الثقة الشعبية المتآكلة بمجرّد اللقاءات والوعود؟
الأهم: هل من يملك المال قادر دائمًا على شراء الأصوات في زمن المتغيرات والتحولات الشعبية العميقة؟
المشكلة البنيوية في مقاربة الضاهر أنه ما زال يتعامل مع البيئة السنية ككتلة انتخابية يمكن “إدارتها”، وليس كمكوّن اجتماعي سياسي تغيّر بعمق بعد انكفاء “المستقبل” وتصدّع الزعامات التقليدية
الشارع السني تغيّر… وضاهر لم يتغيّر
المشكلة البنيوية في مقاربة الضاهر أنه ما زال يتعامل مع البيئة السنية ككتلة انتخابية يمكن “إدارتها”، وليس كمكوّن اجتماعي سياسي تغيّر بعمق بعد انكفاء “المستقبل” وتصدّع الزعامات التقليدية. هذه القاعدة لم تعد تنظر إلى النائب على أنه مجرد واسطة خدمات، بل تريده صوتًا فعليًا في مواجهة الانهيار، ومن يُقصّر لا يُغفر له، مهما قدّم لاحقًا.
فالتحركات الأخيرة التي قادها ضاهر، كترؤسه وفودًا من بلديات ومخاتير، وإن أعادته إلى الواجهة، لم تُقنع أحدًا، لأن الشارع يرى فيها مجرد مشهد بروتوكولي لا يُعالج جوهر الأزمة: غياب الإرادة السياسية، واهتزاز العلاقة مع الناس.
اي مراقب او متابع للحراك السياسي البقاعي يدرك أن الاستحقاق النيابي المقبل لن يشبه ما سبقه، خاصة في دائرة زحلة حيث تتجه “القوات اللبنانية” إلى محاولة حسم المقعدين الكاثوليكيين لصالحها. وهذا يعني أن ضاهر أمام خيارين لا ثالث لهما:
تجديد حقيقي في الأداء والتحالفات والمقاربة السياسية.
أو الخروج من المشهد الانتخابي بخسارة ثالثة، قد تكون القاضية سياسيًا.
لكن الأكيد أن العودة إلى الشارع السنّي لن تكون ممكنة بالمال وحده، ولا بالترقيع السياسي، بل بمصارحة حقيقية واعتراف بالتقصير، يتبعها التزام واضح بتنفيذ جدول عمل إنمائي ووطني شفاف.
لذا النائب ميشال ضاهر اليوم ليس في أزمة تحالفات، بل في أزمة تمثيل. خسر الشارع المسيحي، ويواجه الآن خطر خسارة الشارع السنّي الذي منحه فرصة تاريخية مرتين. وإذا لم يبدّل قواعد لعبته السياسية، فإن الاستحقاق المقبل لن يكون معركة أرقام، بل معركة بقاء سياسي.
زر الذهاب إلى الأعلى