خبر عاجلسياسةمقالات

ليس مؤتمراً للسلام… بل وثيقة استسلام

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365
ليس مؤتمراً للسلام… بل وثيقة استسلام

 

 أسامة القادري / مناشير

المشهد الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يكن مجرد مؤتمر صحفي، بل كان عرضًا سياسيًا مكتمل الأركان، يراد له أن يُسجَّل كإعلان انتصار لا كمحاولة تسوية. ما بدا وكأنه “مؤتمر سلام”، لم يكن في جوهره سوى إعلان رسمي عن واقع جديد يراد فرضه على المنطقة، بعيدًا عن العدالة، وبعيدًا عن أي شراكة حقيقية مع الطرف الفلسطيني.

ترمب، كعادته، أكثر حرصًا على صورته كـ”صانع صفقات” من حرصه على ملامسة جذور الصراع. أعاد تدوير ذات الخطاب القديم: تجريد الفلسطينيين من شرعيتهم السياسية، وطرح الرؤية الإسرائيلية باعتبارها “الحل الوحيد الممكن”. أما نتنياهو، فلم يلجأ إلى التجميل أو المجاز. تحدث بصراحة تكشف الكثير: لا سلاح للمقاومة، لا كيان سياسي لحركة حماس، ولا حديث عن حل الدولتين إلا وفق الرواية الإسرائيلية وشروطها.

ما خرج به هذا اللقاء لم يكن تفاوضًا، بل إملاء. وثيقة كتبها المنتصر من موقع القوة العسكرية والسياسية، وطُلب من الطرف الأضعف أن يوقّع عليها دون قيد أو شرط. أما من يرفض التوقيع، فالرسالة غير المعلنة واضحة: آلة الحرب جاهزة للعودة، والعنف سيُستأنف بلا تردد.

وفي خضم هذا المشهد، تبرز غزة – مرة أخرى – كأضعف الحلقات، وأكثرها تعرضًا للضغط والمساومة. لم ترد في المؤتمر إشارة واحدة إلى فك الحصار، أو حماية الكرامة الإنسانية لمليوني إنسان محاصرين منذ سنوات، أو الاعتراف بحقهم في تقرير المصير. جرى تصوير القطاع كـ”مشكلة أمنية” يجب احتواؤها أو تصفيتها، لا كجزء من قضية وطنية أعمق.

حين قال ترمب إن “الأمر ليس سهلاً”، أراد أن يعكس تعقيد المشهد. لكن الحقيقة أن الصعوبة ليست تقنية، بل أخلاقية. لا يمكن بناء سلام حقيقي على أنقاض الكرامة، ولا على حساب المستضعفين. ما طُرح في هذا المؤتمر ليس اتفاقًا، بل صفقة مفروضة من أعلى، تتجاهل التاريخ، وتتجاهل العدالة، وتُبنى على توازنات قوة عابرة، لا على أسس حقوقية وإنسانية دائمة.

ومع ذلك، تظل غزة – رغم الجراح والحصار – تحتفظ بمكانتها الرمزية كآخر ما تبقّى من جبهة الرفض في وجه الإملاءات، وآخر ما يذكّر العالم أن الاستسلام ليس قدرًا محتومًا، وأن الشعوب، حتى في لحظات انكسارها، تملك الحق في أن تقول “لا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى