خبر عاجلسياسةمقالات

«لبنان يحترق.. والنواب يتبارزون على من يصرخ أكثر!» – أسامة القادري

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365
«لبنان يحترق.. والنواب يتبارزون على من يصرخ أكثر!» – أسامة القادري

أسامة القادري

كم هو مؤلم أن ترى لبنان يتراجع من أزمة إلى أخرى، فيما يتحول مجلس النواب، المفترض أن يكون بيت الناس وصوتهم، إلى مسرح للصراخ والمزايدات والاستعراضات الانتخابية.

في بلد يعيش أهله تحت ضغط الفقر والانهيار وغلاء المعيشة والخوف على المستقبل، كان يفترض أن تكون جلسات المساءلة محطة جدية لمحاسبة المسؤولين، وكشف مكامن الفشل، ووضع حلول فعلية تخرج اللبنانيين من دوامة الانهيار والتبعية والارتهان.

لكن ما نشهده اليوم يكشف مرة جديدة حجم الانفصال بين جزء كبير من الطبقة السياسية وبين الناس، بعدما نجحت منظومة المحاصصة الطائفية والمذهبية في تحويل السياسة من وسيلة لإدارة الدولة إلى سوق للمزايدات وتبادل الاتهامات وتسجيل النقاط الانتخابية.

الناس تريد دولة، والسياسيون يريدون منبراً.
الناس تريد حماية، والسياسيون يتقاذفون مسؤولية الحماية.
الناس تريد عملاً ودخلاً ومستقبلاً، والسياسيون يبيعونها خطابات وشعارات.

والأكثر فداحة أن هذا الاستعراض يجري فيما لبنان يعيش واحدة من أخطر مراحله، والجنوب تحت وقع الاعتداءات، وقرى تُستهدف، ومنازل تُدمّر، وأرزاق اللبنانيين مهددة، فيما يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة يدفع ثمنها من أمنه ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه.

في هذه اللحظة تحديداً، كان المطلوب من النواب أن يرتفعوا إلى مستوى الخطر، لا أن ينحدروا إلى مستوى المبارزة الكلامية.

ماذا يعني أن يقف نائب لخوض معركة تخوين، بينما مواطن في الجنوب يبحث عن مكان آمن لعائلته؟ وماذا يعني أن يتحول الاحتلال والاعتداء على الأراضي اللبنانية إلى مادة في بازار المزايدات السياسية، بدلاً من أن يكونا ملفاً وطنياً تتعامل معه الدولة بكل أدواتها السياسية والدبلوماسية والقانونية، وتعمل في الوقت نفسه على حماية مواطنيها وسيادتها؟

الأخطر أن بعض الخطابات، رغم ادعائها التناقض، تلتقي عملياً عند نتيجة واحدة: إبقاء لبنان أسير المعادلة نفسها التي أوصلته إلى هذا المأزق.

ففريق يختبئ خلف خطاب التخوين ليبرر استمرار السلاح خارج القرار الحصري للدولة، وكأن الدولة محكوم عليها بالعجز إلى الأبد، وكأن بناء مؤسسات قوية وقادرة على حماية اللبنانيين أصبح تهمة.

وفريق آخر يتعامل مع وجود السلاح وكأنه يمنح الاحتلال مبرراً دائماً للبقاء والاعتداء، وكأن اللبنانيين أمام خيار مستحيل بين سلاح خارج الدولة واحتلال دائم.

وبين هذا وذاك، أين لبنان؟

أين المواطن الذي لا يريد أن يكون وقوداً لحروب الآخرين؟
أين الجنوبي الذي يريد أن يعيش في أرضه بأمان؟
أين المزارع الذي يريد أن يحصد أرضه من دون خوف؟
أين صاحب المؤسسة الذي يريد أن يعمل؟
وأين الدولة التي يفترض أن تكون صاحبة القرار والسيادة والمسؤولية؟

كفى تحويل مجلس النواب إلى حلبة لتصفية الحسابات. وكفى التعامل مع اللبنانيين باعتبارهم مجرد كتلة انتخابية تُستنفَر عند صناديق الاقتراع، ثم تُترك لمصيرها بعد انتهاء الموسم الانتخابي.

المجلس النيابي ليس مسرحاً للكاميرات، والنيابة ليست منصة للمزايدات، والمعارضة ليست مجرد صراخ، والموالاة ليست غطاءً للفشل.

هذه ليست بطولة سياسية، وليست معارضة، وليست دفاعاً عن السيادة، وليست مقاومة للاحتلال.

السياسة التي لا تحمي الناس تتحول إلى استعراض.
والمعارضة التي لا تنتج حلولاً تتحول إلى ضجيج.
والخطاب الذي يعيش على التخوين لا يبني دولة.
والسلطة التي تهرب من مسؤولياتها لا تستطيع أن تطلب من الناس المزيد من الصبر.

لبنان لا يحتاج مزيداً من الخطب النارية.

لبنان يحتاج دولة.

يحتاج قراراً سيادياً واحداً، ومؤسسات تعمل، وحدوداً محمية، ومحاسبة حقيقية، وخطة اقتصادية، وسياسة خارجية تحمي مصالحه، ومجلس نواب يتذكر أخيراً أن تحت هذه القبة ملايين اللبنانيين الذين لم ينتخبوا نوابهم كي يتصارعوا أمام الكاميرات، بل كي يجدوا لهم وطناً صالحاً للحياة.

أما أن يحترق لبنان فيما يتبارى السياسيون على من يصرخ أكثر، فهذه ليست أزمة جلسة نيابية ولا أزمة خطاب سياسي عابر.

إنها أزمة طبقة سياسية كاملة، ما زالت تتعامل مع اللبنانيين كأرقام انتخابية، فيما لبنان نفسه يدفع ثمن فشلها من أمنه واقتصاده وسيادته ومستقبل أبنائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى