روسيا وتهميش السنة العرب: استراتيجية التحالفات الانتقائية في لبنان وسوريا – خالد العزي
روسيا وتهميش السنة العرب: استراتيجية التحالفات الانتقائية في لبنان وسوريا – خالد العزي

د. خالد العزي – مناشير
تدعي روسيا في بعض الأحيان بأنها مستعدة لفتح أبواب التعاون والتحالف مع الشخصيات السنية البارزة في العالم العربي، مثل سعد الحريري في لبنان، معتبرة إياه “رجل السنة الأول”. وعلى الرغم من هذا التصريح، فإن روسيا تواصل، في الواقع، تجاهل وتهميش الأغلبية السنية في لبنان والمنطقة، بما في ذلك إبعادهم عن فرص التعاون الثقافي والتعليمي التي كانت في السابق مفتوحة للعديد من الفئات.
تجاهل النخب السنية الثقافية والأكاديمية
من خلال سياسة تجاهل مناطق السنة في لبنان، مثل الضواحي، وتحجيم الدعم الثقافي والتعليمي الموجه لتلك المناطق، تواصل روسيا إبعاد الفاعلين السنيين عن الفرص التي تقدمها. فالمنح الثقافية والتعليمية، التي تعتبر وسيلة لبناء جسور ثقافية بين الشعوب، لا يتم توجيهها إلى النخب السنية، بل تقتصر على جماعات معينة يتم اختيارها بعناية، خاصة تلك التي تتماشى مع رؤية موسكو وتحالفاتها مع الأقليات.
تجاهل روسيا للنخب السنية في لبنان يشمل أيضًا عدم استضافة الفعاليات الثقافية والعروض التي تُنظم عادة في المناطق السنية، بزعم أن هذه المناطق غير آمنة. كما أن روسيا لا تُشجع على إقامة علاقات ثقافية مع المؤسسات السنية الأكاديمية أو الإعلامية، حتى وإن كانت هذه المؤسسات قد ارتبطت بعلاقات قديمة مع الاتحاد السوفياتي. وهذا الموقف يعكس سياسة روسية حذرة تجاه السنة، في حين أنها تركز على بناء تحالفات مع الأقليات، مثل العلويين والمسيحيين، سواء في لبنان أو في مناطق أخرى.
إبعاد النخب السنية السياسية
لا يقتصر التهميش الروسي على النخب الثقافية والأكاديمية فقط، بل يمتد ليشمل النخب السياسية السنية. حتى الشخصيات السياسية السنية في لبنان، الذين يُعتبرون جزءًا من البنية السياسية والديمقراطية، لا يُشركون في الزيارات الرسمية إلى روسيا أو في محادثات التعاون الثنائي. وتُعزى هذه السياسة إلى قلق روسيا من أن التعاون مع الشخصيات السنية قد يُقوض تحالفاتها مع القوى الأخرى، مثل إيران وحزب الله، التي تمثل القوى الشيعية والإسلامية الأقلياتية في المنطقة.
في المقابل، تعمل روسيا بشكل وثيق مع هذه الأقليات، حيث تقدم لها الدعم السياسي والاقتصادي، مما يعزز من سطوتها على العديد من الدول في المنطقة. وتستغل موسكو هذه التحالفات للضغط على دول مثل لبنان وسوريا لتحقيق مصالحها الخاصة، دون أن تأخذ في اعتبارها مصالح السنة في هذه البلدان.
العلاقة مع السنة العرب في ظل تدهور الوضع في سوريا
لا يمكن تجاهل حقيقة أن روسيا كانت شريكًا رئيسيًا في الهجوم على الشعب السوري، خصوصًا في الفترة التي كانت فيها تدعم النظام السوري ضد المعارضة السنية. الحملة العسكرية الروسية ضد المدنيين السوريين، التي شملت القصف العنيف والتهجير الجماعي، كانت تستهدف في المقام الأول المناطق السنية. دعم روسيا للنظام السوري، الذي تهيمن عليه الأقليات الطائفية، ساهم في قتل وتشريد مئات الآلاف من العرب السنة، مما جعل موقف روسيا في المنطقة أكثر تعقيدًا.
وفي الوقت الذي تسعى فيه روسيا إلى تعزيز علاقاتها مع الأنظمة السنية في بعض الدول العربية والخليجية، فإن تاريخها الدموي في سوريا يظل علامة سوداء في علاقاتها مع العالم العربي السني. من الواضح أن موسكو تدير سياسة انتقائية في المنطقة، حيث تركز على تحالفاتها مع الأقليات وتغفل أو تهمش الأغلبية السنية. هذا التناقض في السياسة الروسية يعكس رغبتها في تأمين مصالحها الاستراتيجية، دون النظر إلى القيم الإنسانية أو السياسية التي تهم الشارع العربي السني.
هل ستغير روسيا سياستها تجاه العرب السنة؟
الأسئلة التي تطرح نفسها الآن هي: هل ستظل روسيا على نفس النهج وتواصل تجاهل العرب السنة، أم أنها ستسعى إلى تغيير سياستها لتلبية احتياجات هذه الفئة؟ في ضوء التحولات التي تشهدها المنطقة، وخاصة مع تراجع التحالفات الطائفية في سوريا وانهيار نظام الأقليات، قد يكون من الضروري أن تعيد روسيا تقييم سياستها تجاه السنة العرب. التهميش المستمر قد يؤدي إلى رد فعل سلبي واسع في المنطقة، خاصة في ظل الغضب الشعبي من تصرفاتها في سوريا والتعامل غير العادل مع قوى معينة.
إذا أرادت روسيا فتح صفحة جديدة مع العالم العربي السني، فإنه يتعين عليها تقديم اعتذار واضح وشامل عن مواقفها السابقة، بما في ذلك دعمها المستمر للنظام السوري ضد الشعب السني. علاوة على ذلك، يجب عليها بناء جسور جديدة مع النخب السنية السياسية والثقافية، بما يتماشى مع مصالحهم وحاجاتهم الحقيقية في المنطقة.
إن استمرارية هذا التصرف غير الأخلاقي قد تؤدي إلى رفض أكبر من الدول العربية السنية، التي لن تقبل بمزيد من الاستغلال لمصالح روسيا على حسابها. بالتالي، قد تكون هذه اللحظة هي الفرصة الأخيرة لروسيا لتقديم خطوات ملموسة نحو تعزيز علاقاتها مع العرب السنة في المنطقة، أو مواجهة نتائج سلبية قد تؤثر على نفوذها في الشرق الأوسط بشكل عام.



