خبر عاجلسياسة

حكاية حصرية المقاومة التي أوصلت إلى حصرية السلاح!

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

حكاية حصرية المقاومة التي أوصلت إلى حصرية السلاح!

كتب حسين قاسم
المسؤول السابق لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية
كان نيسان من العام 1985 يشبه ربيعًا متأخرًا، محمّلًا بالترقب. في جنوب لبنان وبقاعه، حيث بساتين الزيتون والبرتقال، كان الاحتلال الإسرائيلي يترنح تحت ضربات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول). مقاتلون بسطاء، بعضهم طلاب، بعضهم عمال، وبعضهم فلاحون، خرجوا من قراهم يحملون بنادق وأعتدة عسكرية عادية، وإيمانًا أكبر من عتادهم. وكانوا يحققون ما بدا مستحيلًا: تحرير القسم الأكبر من الأراضي المحتلة.
غير أن الفرح لم يكتمل. ففي دمشق، لم تكن عيون النظام السوري تنظر إلى التحرير كما ينظر إليه المقاومون. عندهم، المقاومة ليست سوى ورقة في لعبة التحريك السياسي. جاء القرار: “جمول” تتوقف عن القتال. لكن الحزب الشيوعي وأحزاب الجبهة الأخرى أعلنوا بوضوح: سنستكمل المهمة حتى آخر شبر، بلا مساومات.
كانت رسائل النظام تصلهم كحجارة تُقذف على طريق ضيق: مضايقات، حصار مالي، قطع للإمدادات. ثم جاءت أثقل: اغتيالات واعتقالات. ومع ذلك، بقيت الجبهة تقاتل، حتى وهي تُدفَع خارج المعادلة.
في تلك السنوات العاصفة، ظهر صراع جديد: سوريا وإيران يتنازعان النفوذ على الورقة الشيعية. ومعه اشتعلت حرب غريبة بين حركة أمل وحزب الله، سُمّيت “حروب الإخوة”.
الضاحية الجنوبية، الجنوب، البقاع الغربي… كلها مسارح لجولات دامية بين الطرفين الشيعيين. وكان مسرح إقليم التفاح الأكثر اشتعالًا. جبال خضراء تسيطر على مداخل الجنوب، تحولت إلى ميدان دموي. حزب الله أراد السيطرة عليها بأي ثمن، وحركة أمل تدافع بشراسة عن موقعها.
آلاف القتلى والجرحى سقطوا في حربٍ عنوانها الأخوّة، لكنها لم تعرف إلا الدم. انتهت بمعادلة جديدة: اتفاق دمشق الرباعي، الذي جمع سوريا وإيران وأمل وحزب الله.
معركة إقليم التفاح، التي بلغت ذروتها في أيلول 1988، كانت حاسمة: سيطر حزب الله على المنطقة، بينما حالت أمل وحلفاؤها دون تمدده جنوبًا أكثر. ومن هنا ارتسمت الخريطة: اتفاق الطائف أتى ليكرّس الوصاية السورية، ويوازن بين دمشق وطهران. فكانت القسمة واضحة: المقاومة تُعطى حصريًا لحزب الله، وتمسك حركة أمل التمثيل السياسي وتحتكر الدور الشيعي في مؤسسات الدولة. أما الآخرون، فخارج اللعبة، لا سيما خارج العمل المقاوم للاحتلال.
رفض الحزب الشيوعي الانصياع. لكن الريح كانت عاتية: تفكك الاتحاد السوفياتي، انهار اليسار العالمي، تضييق سوري ـ إيراني متواصل عليه، مترافقاً مع إصرار منه على قضية تحرير الارض وقتال الاحتلال.
في هذا السياق استُدعينا إلى عنجر فذهبنا، الرفيق فاروق دحروج وأنا ، تلبية لمقابلة العميد غازي كنعان. كان الرجل أسطورة في زمانه: حاكم لبنان بقبضة المخابرات السورية، وصاحب القرار الذي لا يُرد.
دخلنا صالونه الكبير. كان في انتظاره وجوه من رجال الدولة اللبنانية، لكننا سُمح لنا بالدخول مباشرة. جلس العميد، وبادر دون مقدمات:“تلقيتُ من القصر الجمهوري في دمشق بينما كنت أنا في طرطوس، مكالمة تفيد ببدء معركة إقليم التفاح. لن نسمح لحزب الله بالسيطرة عليها. وأنتم أول من خطر ببالي للانتقام من حزب الإخوان المسلمين الشيعة، “هكذا كانت تسميتهم لحزب الله”، هذا الحزب الذي اغتال وقتل رفاقكم وأبرز كوادركم.
ساد الصمت. كنتُ أنظر إلى فاروق، وجهه يتقلب بين الأحمر والأزرق. لم يعرف لغة المواربة، ولا يتقن فنون الاحتيال السياسي اللبناني، فهو صريح ومباشر وجريء. ردّ مباشرة:
“يا سيادة العميد، نحن حساسون تجاه كل من يقاتل إسرائيل. دوّى صراخ العميد:
“يعني أنتم تتهموننا بالعمالة لإسرائيل؟!”.
وانتهى اللقاء على غضبٍ عاصف. خرجنا مسرعين، ندرك أن ما ينتظرنا من مضايقات أكبر مما نتخيل. في السيارة خيّم السكوت علينا، إلى أن وصلنا إلى مركز المحافظة في بلدة سعدنايل. ارتأينا ان انزل إلى بيروت وأخبر قيادة الحزب والرفيق جورج حاوي بما حصل، وارجع إلى البقاع لأخذ تدابير احترازية عند خطوط المقاومة، لأننا توقعنا حصول مضايقات من المخابرات السورية ضدنا. وكان الرأي نفسه عندما وضعتُ الرفيق جورج بما حصل، فأبلغني بضرورة إبلاغ قيادة المقاومة باتخاذ تدابير أيضًا. بدوره، أرسل الرفيق جورج كريم مروة أو يوسف مرتضى لإبلاغ قيادة حزب الله بما حصل. بالمناسبة، فإن القوى التي اشتركت في معركة إقليم التفاح هي، إضافةً إلى حركة أمل: حزب البعث السوري، الحزب القومي، وحزب إيلي حبيقة، وهؤلاء صاروا حلفاء لحزب الله فيما بعد.
حادثة أخرى أتت في السياق ذاته، وهي حرب تموز العام 1993 والتي تُسمى “حرب الأيام السبعة”. قبلها حصل تطوران بارزان: الأول اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد عباس الموسوي في 16 شباط من العام 1993، وتولي السيد حسن نصرالله الأمانة العامة مكانه، ثم بدء تطبيق اتفاق الطائف وبدء العمل باتفاق دمشق الرباعي، أي حصرية المقاومة بحزب الله. وللعلم، فإن المضايقات التي كان يتعرض لها رفاقنا المقاومون في القطاعين الأوسط والغربي من الجنوب كانت أكثر بكثير مما يتعرضون له في القطاع الشرقي، لا سيما في جبل الشيخ حيث ان التحالف بيننا وبين الرفاق في الحزب التقدمي الاشتراكي في وادي التيم، أثمر عن تسهيلات هامة لقواتنا في (جمول)، إنما كانت المضايقات تحصل من حواجز مخابرات النظام السوري.
بدأت حرب الأيام السبعة في تموز 1993وكنا ما زلنا نحتفظ بقواتنا في النبي صفا وتلة تُسمى (نص الدنيا) والمطلة على لبايا، وبقوانا فيها، وكذلك في جبل الشيخ، وفي ثكنة الروضة في البقاع الأوسط قرب برالياس وفي عرسال. شاركنا في تلك الحرب، خاصةً عبر مجموعات المقاومة خلف خطوط العدو في جبل الشيخ. من ناحية أخرى، كانت المفاوضات جارية بين سوريا وإسرائيل بوساطة أميركية كالعادة. بعد مضي عدة أيام من بدئها، استدعاني العقيد توفيق حيدر، مسؤول مفرزة شتورا، للحضور إلى مكتبه. وهناك كان ودياً على غير عادته. كان الحديث بالعموميات. سألني عن إذاعة “صوت الشعب” ومردودها المالي، وعن علاقتنا بحزب الله، وأخيرًا استفسر عن مكان وتوقيت دوامي في الأيام المقبلة. خرجت وقابلت فاروق دحروج، ولم نفهم جيدًا عن أهدافه، لا سيما عن وده الذي لا تفسير له سوى نوايا شريرة. بعد يومين وجدت الأمن السوري على مدخل منزلي، فأبلغوني بضرورة الحضور فورًا إلى مكتب العقيد في شتورا. ساروا خلفي وكأني معتقل. دخلت مكتب العقيد توفيق ليبادرني بأنه ينتظرني لتناول الفطور، وبدأ حديثه بصوت منخفض وكأنه ينقل لي سرًا: “إن المفاوضات مع الوسيط الأميركي قاربت النهاية ونحن لا نثق كثيرًا بحزب الله ونطلب منكم أن تلتزموا بقرار وقف إطلاق النار عند صدوره”. أجبته: “يا سيادة العقيد، أنا لا أنفذ أمرًا عسكريًا سوى من فاروق دحروج أو جورج حاوي. أقولها بصراحة، وبإمكانك اعتقالي، وهي لن تكون المرة الأولى وأنت تعرف ذلك”. أصرّ على وده وهدوئه. وبدوري خرجت متوترًا، أبلغت فاروق وأرسلت رسالة إلى جورج حاوي، وذهبت مباشرة إلى موقع المقاومة في (نص الدنيا)، واتفقنا مع الرفيق كمال البقاعي على التصعيد ضد العدو. وأثناء العودة مررت إلى ثكنة الروضة لمد قواتنا بالمزيد من صواريخ الكاتيوشا والذخيرة.
في اليوم التالي عود على بدء، وهذه المرة بتطويق منزلي بحجة الحماية، وكذلك المركز في سعدنايل، والطلب مني الذهاب مرة أخرى إلى مفرزة شتورا. ليبادرني سيادته بأنني لم ألتزم بالدوام والأمكنة التي أعهدها، مما جعله يؤمّن الحماية لي. كان تبريرًا سخيفًا، فكان ردًا على جوابي له في اللقاء السابق. خرج هو من مكتبه لدقائق ليعود ويطلب مني مرافقته لأمر مهم. صعدت في سيارته التي قادها بنفسه ودون مرافقة، فيما بقيت سيارتي أمام المفرزة. اتجه نحو بارك أوتيل شتورا، وكانت الطرقات كلها مغلقة وتدابير أمنية استثنائية في محيط الأوتيل. نزلنا سويًا، ودخلنا صالون الأوتيل لنجد هناك نبيه بري والسيد نصرالله. اعتذر عائدًا للخلف، حيث بدى ان مروره كان مقصوداً، لأشاهد بأم العين كيف يتحكمون بالقوى السياسية اللبنانية، ثم رجعنا سويًا إلى المفرزة، وقد مر أثناء عودته إلى فرن هاشم على مفرق جديتا يطلب كفتة ولحمة بعجين للفطور. وإذ به يبادرني: “إن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار قريب جدًا”. وأكمل: “يا رفيقنا، هؤلاء ينتظرون التعليمات من السيد الرئيس”. قاطعته: “لماذا جورج حاوي أو فاروق دحروج ليسا معهم؟”. أجابني: “فهل ترضى بأن ينتظر رئيسك مع المنتظرين؟”. أصرّ على بقائي للغداء، وأنا أصريت على الخروج. فأبلغني بأننا سنلتقي الليلة أو غدًا صباحًا، وطلب مني ألا أغادر المنطقة. بدوري ذهبت وأبلغت فاروق بما حصل وما شاهدته. أبلغني فاروق بأن أبقى بين ثكنة الروضة والمواقع الأمامية في القطاع الشرقي. توقفت قليلًا لأخذ سندويش لي ولمرافقي وذهبنا إلى ثكنة الروضة. فوجدنا أن العقيد توفيق هناك يتفقد مستودعات الذخيرة. ابتسم قائلًا: “كنت أمر من هنا فرغبت بالسلام على الرفاق”، ثم غادر. بقيت لتناول الشاي مع الرفاق ولمزيد من التفكير، لأنني كنت أنوي أن أنقل ذخيرة للمواقع الأمامية بسيارتي التي تتمتع بحصانة معينة. لكن الفطنة كانت أسرع، إذ ان الحصانات تسقط عند المخابرات السورية، فعدلت عن فكرتي. وراودتني الأفكار السيئة، لذلك قررت أن أقود أنا السيارة وجلس مرافقي جنبي. حينها كنت ما زلت أعاني من آثار حادث سابق تعرضت له. بعد الثكنة بخمسمائة متر تفاجأت بحاجز للأمن السوري وُضع خصيصًا لنا. تقدم ضابط صوبي بلباقة واحترام، ممازحًا ومدعيًا أنه يعرفني مناديًا باسمي، طالبًا مني ما إذا كنت بحاجة لشيء. تابعت سيري، فبادرني مرافقي بأن عناصر الحاجز أرغموه على فتح صندوق السيارة بهدوء دون أن أشعر أنا بشيء. تابعنا سيرنا، وعند مرورنا على حاجز مجدل عنجر تكررت الحادثة ذاتها. مما استدعى أن أستخدم طرقات ترابية وفرعية، فكيف لا وأنا ابن البقاع الذي يعرف وعره وحجره وبشره. وصلنا موقع النبي صفا، فوجدت هناك الرفيق مشهور عقل، مسؤول محور لبايا ـ جبل بئر الضهر، ليبلغني بأن مجموعات من حزب الله متواجدة معه، ويقترح عليَّ الاجتماع بهم، خاصةً أنهم تعرضوا لمحاولتي اغتيال من قبل العدو: الأولى في بلدة عين التينة قرب مشغرة، والثانية في سحمر، وهي عمليات شبيهة بالتي تجري اليوم. لم أتمكن من الاجتماع بهم لأنهم كانوا يؤدون فرض الصلاة.
على الأثر تلقيت اتصالًا من مركز سعدنايل بأن العقيد توفيق يريدني عنده فورًا. اتفقنا مع الرفاق على تصعيد العمل ضد العدو، وغيرت الطريق وعدت إلى شتورا. على الفور أبلغني العقيد بأن قرار وقف إطلاق النار صدر ومطلوب منا الالتزام به. وقبل أن أجيبه أردف بأن رئيس أركان الجيش السوري حكمت الشهابي أبلغ جورج حاوي بالموضوع. أجبته بأنني لم أتبلغ شيئًا من قيادتي. هو ابتسم، وأنا غادرت وأرسلت تقريرًا تفصيليًا لأبو أنيس ولفاروق.
بعدها حصل اجتماع للأحزاب في مقر المجلس السياسي لحزب الله. طلب مني فاروق تمثيل الحزب في الاجتماع المذكور، كوني تابعت مجريات حرب الأيام السبعة. فاجأنا السيد نصرالله بحضوره، فتغير جدول الأعمال من نقاش مسألة الحرب إلى كيل المدائح للسيد. نحن التزمنا بما هو متفق عليه، وإذ بالنائب زاهر الخطيب يقاطعني قائلًا إنه لا يجوز طرح تلك المسائل بحضور سيد المقاومة. أوقفه السيد نصرالله قائلًا: “إن الإخوان في الحزب الشيوعي يحق لهم ما لا يحق لغيرهم، فهم الأساس في المقاومة”. وأردف شاكرًا دورنا في الحرب الأخيرة، وأن الأخ أبو سعيد الخنسا سيبلغكم تفصيلًا بالأمر.
بدورنا في المكتب السياسي اعتبرنا أن ثمة إيجابيات معيّنة على صعيد العلاقة مع حزب الله لنستفيد منها ونطورها لمصلحة العمل المقاوم ضد الاحتلال. فحصل اجتماع أولي مهم في مركزنا في وطى المصيطبة، حضره الحاج حسين خليل، المستشار السياسي للأمين العام، وأبو سعيد الخنسا عن حزب الله، وكريم مروة وإلياس عطالله وأنا عن الحزب الشيوعي بصفتي مسؤولاً عن قطاع المقاومة. أبدى وفد حزب الله وده وشكره لدورنا في حرب الأيام السبعة وغيرها من الأمور ذات الاهتمام المشترك، واتفق على عقد اجتماع تنظيمي جنوبي. فعُقد اجتماع في صيدا مثّل الحزب الشيوعي فيه الرفيق نديم علاء الدين. طرح حزب الله ما كان يطرحه النظام السوري: أن من يود القتال ضد إسرائيل عليه أن يبلغهم هم بكل التفاصيل، وهم يقررون. وكان الاجتماع التنظيمي الأول والأخير بشأن المقاومة.
إلى أن حصل الاجتماع الشهير بين الرفيق جورج حاوي والسيد نصرالله بحضور يوسف مرتضى. تقدم أبو أنيس باقتراح تشكيل مجلس أعلى للمقاومة برئاسة السيد نصرالله، وأن يضم كل من يرغب في التحرير وقتال إسرائيل لإعطاء قضية المقاومة بُعدًا وطنيًا وتأمين بيئة وطنية حاضنة بديلًا عن بيئة مذهبية. أجابه السيد نصرالله فورًا قائلاً إن النظام السوري لا يقبل.
ما ورد أعلاه مقتطف مكثف من كتابي الذي سيصدر لاحقًا متضمنًا تفاصيل تلك المرحلة كاملة: العوامل الذاتية وتقييم التجربة ، حرب المخيمات، سقوط الاتحاد السوفياتي، والحصار الذي فُرض علينا. لكن ما وددت ذكره هنا هو جذور حصرية المقاومة بحزب الله، وقبلها جهود النظام السوري بالاكتفاء بما أُنجز حتى التحرير الأولي عام 1985، وتحويل المهمة المتبقية إلى مقاومة للتحريك لا للتحرير، خدمةً لمصالحه ونفوذه في الإقليم. هذه الخطة انتقلت لاحقًا إلى النظام الإيراني بعد انسحاب قوات النظام السوري من لبنان في نيسان 2005، ليستمر النهج نفسه: جعل لبنان ساحةً وملعبًا، لا وطنًا محررًا مزدهرًا مستقلاً ومستقرًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى