حزيران الوقائع العربية الراهنة

أحمد جابر – مناشير
تتجدد صبيحة الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967، مع إطلالة كل صبيحة عربية، وتعاند وتقيم فتأبى أن تذهب إلى سكون السرد، لأنها ما زالت تضيف يومياً، إلى خيوط الرواية العربية الثقيلة.
تداول الرواة الحكاية بلسان قديم واحد، ولمّا يملّ السامعون – الجماهير، من التلذذ باستعمال أذنهم الواحدة. التواطؤ مشترك: حاكم راوٍ، غائب تاريخياً، ومستمر سياسياً. الدلالة على وجود الحاكم، إقامته في مخفر حراسة ذاكرة غابرة… ومحكوم مشدوه، ما فتئ يشحن احتماله، في مقام السماع، من نوستالجيا يوتوبيا متخيلة… يمارسان فعل الجمود، فوق مسرح الانكسار الواحد ويروِّجان لاحتمال الحركة، بالاستدارة دائماً، إلى وعود… الماضي السحيق!!
ما الذي بقي من الهزيمة الحزيرانية الشهيرة؟ لا أقل من “حزيرانات” متتالية!!، لقد تشظّى جوهر الهزيمة – الأم، فأنجب أبناءً وأحفاداً، وسريعاً، اشتدَّ ساعد “النكسة” فأطيح بالآمال الغاضبة، التي خرجت بالصوت والقلم، وبالجسد والسلاح، لتكتب على طريقتها: إن غفلة العرب، في ذلك الخامس من حزيران لم تكن إلا كبوة!! لذلك فليس للحدث العابر أن يصير إلى سقوطٍ مريع راسخ… بعد عقود مريرة، قالت الأيام وقائعها، فتناثر ركام الكلام والنصوص… وإلى الآن، لم ينتبه بعض “الآفلين”، إلى أن دجى النصّ، ليس إلا سراباً، في إزاحة شمس الوقائع العنيدة. كانت هزيمة، تلك التي نزلت بالعرب، انقسم حولها الناس فكراً وسياسةً، وذهبوا إلى تأويل معانيها، وفي شرح أسبابها، مذاهب شتّى. حالف الصواب شيئاً من التحليل، وجَفَتِ الحقيقة أشياء من التعليل، لكن الحقيقة التي “أتت أُكلُها” هي تلك التي جسدها العجز عن ابتكار الردود، في الفكر، وعن اقتراح الخطط في العمل. تلك كانت الحصيلة العامة، التي لا تلغي تاريخاً حافلاً كان له طعم آني حلواً، لكن تراكمه “الكمي” لم يفلح في تبديل “كَيف المرارة” العربية العامة. ربَّ قائلٍ، على شيء من صواب، إن طبيعة الردود على هزيمة الخامس من حزيران، كانت نوعاً من “الاستثناء الثوري”، الذي عاد ليسلس القياد إلى “قاعدة المحافظة” العربية العامة.
كانت هزيمة حزيران، قوس التضاد وسهمه. أصيبت مصر، فعادت مصرية، وأرادها البعض القليل فرعونية… وعلى هذا المنوال استعاد كل وطن عربي وطنيته الداخلية، أو هو أعاد اكتشافها، فأقفل النقاش جدّياً، حول عناصر القوة الوطنية وحصاناتها العروبية
لقد تعمّق “نصّ الهزيمة” في فترة الانشغال بالمناظرات، صار الوهن الذي أورثته الأنظمة العربية لمجتمعاتها أوضح، وفي هدي الوضوح، صار جلياً أكثر، أن المجتمع العربي قد اجتاز مسافة خطرة، فابتعد وأوغل في القبول بإقالته من قضاياه. لحث الذاكرة، وللانتباه من “قيلولة فكرية” نسأل اليوم، وبعد عشرات الأعوام على ذكرى “النكسة”: ماذا بقي من معنى الوحدة العربية؟ هل ما زالت حلماً “قبالة العين”، يفترش المسافة “الواحدة”، ما بين “محيط هادر وخليج ثائر”؟! بل ما الزرعُ الذي نما في متاهاتها؟ وماذا يعني التقدم والتحرر والحرية، أنداد الوحدة وأشباهها، وثمارها المشتهاة؟… في ثنايا كل جواب، تطالعنا “استقالة الوضع العربي” من همومه العامة، وتتراءى لنا بجلاء، مفاصل ارتداده الطوعي، أو القسري إلى شجونه الخاصة. باختصار، تطالعنا “القطريات” الراسخة، التي كانت موضع هجاء كل قول وحدوي، كما كانت موضوع كل فعل تحرري، لا يرى خلاصاً للعرب إلا في دنيا وحدتهم الجامعة. كانت هزيمة حزيران، قوس التضاد وسهمه. أصيبت مصر، فعادت مصرية، وأرادها البعض القليل فرعونية… وعلى هذا المنوال استعاد كل وطن عربي وطنيته الداخلية، أو هو أعاد اكتشافها، فأقفل النقاش جدّياً، حول عناصر القوة الوطنية وحصاناتها العروبية. أما العروبة، كرابطة، وثقى، فبات الأخذ بها فعلياً، دليلاً على الانتقاص من “الإستقلالية الوطنية”!! مورست السيادة في الداخل، بتشدد لافت، لامس أحياناً حد “الشوفينية”، وأخذ بالانفتاح على الخارج، بمرونة محيّرة للفوز “بجائزة” الحداثة، ولنيل “سعفة الرضى” الديمقراطية. كان الفصام سيِّد الموقف، والازدواجية عنوانه. إعطاء خارج الحدود للاستئثار بدواخلها، وكلام مرصّع في المحافل الدولية، للاستمرار في كتابة “غث الكلام” فوق كل الأوراق الداخلية… كان من نتيجة ذلك أن تباعدت الرؤى، بين جوار وجوار، وإن تبددت الثقة، بين داخل وداخل، لذلك، لم يكن غريباً أن تتعمق هزيمة 1967 وأن تستشري، وأن تستعرض مفاعيلها في لبنان مرةً، وفي الخليج العربي مرات، هذا من دون أن تنسى المرور في فضاء إفريقيا العربية!!… ومن حلقة إلى حلقة، كانت تكتمل عناوين “الإقالة العربية” العامة، وتمحى عناوين الحضور العربية الخاصة، من جداول الأولويات المشتركة، لتستبدل، وحسب الطلب، بما يعوّض عنها، من سمات حضور سياسي أو اقتصادي أو إعلامي – إعلاني، يتناسب وأحكام العصر الجديد، ولا يتناقض مع معطياته. في هذا السبيل، سبيل التطابق مع العصر!! أقيلت فلسطين! من يذكر اليوم خطب استعادتها والدعوة الملحاحة، إلى تحريرها؟ من يعلن الحاجة إلى ولادة نظامه باسمها؟ من يعلن روابطه بالعروبة من خلالها؟ من يجسر الهوّة بين مشرق العرب ومغربهم، بمتْن قضيتها؟ لا إجابة سوى تلك التي يقدمها الشعب الفلسطيني، بدمه المتوحّد، وبصوته الفريد…
لقد قدمت النماذج الصومالية، والعراقية والليبية عينات إضافية تزيد في نار الأسئلة، وتضيف علقم أسئلة أخرى. هذه نماذج لبلدان زُفّت لأقدارها، فاستفردت وأُهملت، وأفْردت أمام أنظار “الأسرة العربية”، التي مرض أكثر من عضو فيها، “فلم تتداع له سائر الأعضاء”.
في ساحة حزيران، تقف إسرائيل شامخة منيعة، حالفها الزمن الذي كنّا نروّج لخذلانه لها. ربما كان لواء الأمل العربي معقوداً لمواكب نهضة سريعة مقبلة، أو لاستدراك فوات أصاب العرب على حين غرّة. لقد بدا أن الزمن الفسيح صار سجون أفكار، وزنزانات اضطهاد ومقاهي تمرّغ بين الخيبات المتكاثرة. لم يبقَ من الزمن سوى رجْعه البيولوجي، ولم يصمد في دنيا العرب سوى سلاح التكاثر!! عاد للفحولة اعتبارها، فهي قنبلة العرب النووية وسلاحهم الأهم، في مواجهة ترسانة أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية. ثمة إصرار على المواجهة، ومعاندة يلزمها، كي تتطور وتلامس آفاقاً جديدة، نفض دمار الداخل، أولاً وقبل كل شيء. يبدأ “رفع الركام” بمراجعة شاملة، تُعمل مبضعها في جسد النظام العربي المتْرع عجزاً، والمثقل فساداً، والمعيب أخلاقاً، والمهين سياسياً، الصادّ عن طريق أبواب الحداثة والإسهام في مسيرة الابتكار الإنسانية. المراجعة إياها، ليس لها أن تغفل أكداس الأفكار “التغييرية” المتآكلة، وعليها إزاحة أساليب التكرار العقيمة التي أدمنتها “النخب” العربية، مثلما عليها تعرية مسوّغات الإنزياح التي تمارسها بين أيديولوجيا وأخرى، وفنون التراقص بين “نوتات” العزف المتبدلة من دون انقطاع.
بعد عقود من هزيمة الخامس من حزيران، ثمة مساواة في المسؤولية عن العجز، تتقاسمه النخب الحاكمة، وتلك الطامحة إلى الحكم، لذلك ثمَّ فراغ كبير يتحمل العروبيون، من كل المشارب، مسؤولية التأخر عن المبادرة إلى ملء ساحاته الباردة!!



