تدهور العلاقات بين المجر والولايات المتحدة بسبب روسيا… – خالد العزي

د.خالد العزي – مناشير
العلاقات بين المجر والولايات المتحدة شهدت توترًا ملحوظًا مؤخرًا، وذلك بسبب اختلافات سياسية واقتصادية حادة تتعلق بموقف المجر من روسيا، بالإضافة إلى القرارات العسكرية التي اتخذتها الولايات المتحدة في أوروبا. في الوقت الذي تسعى فيه المجر للحفاظ على علاقات متوازنة مع روسيا، تواجه ضغوطًا كبيرة من الولايات المتحدة التي تتبنى سياسة مناهضة لروسيا، خاصةً فيما يتعلق بالطاقة والنفوذ العسكري في المنطقة.
زيارة أوربان لواشنطن:
رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي يُعتبر من أبرز مؤيدي الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، يخطط لزيارة واشنطن في الوقت الذي تتصاعد فيه الخلافات بين البلدين. الزيارة ستكون محورية، حيث سيواجه أوربان ترامب على خلفية قضايا شائكة، أبرزها سياسة العقوبات على روسيا، والتي يُعتبر أوربان نفسه في صراع معها، خاصة في ما يتعلق بالاعتماد المجري على الطاقة الروسية.
أزمة مع الصحافة الإيطالية:
على خلفية تصريحات مثيرة للجدل، دخل أوربان في مواجهة مع الصحافة الإيطالية، وتحديدًا صحيفة “لا ريبوبليكا”. في مقابلة صحفية، صرح أوربان بأن بلاده تعاني من تبعية كبيرة للنفط والغاز الروسي، وأنه من دون هذه الإمدادات سترتفع أسعار الطاقة بشكل كبير. هذا التصريح أُسيء تفسيره من الصحيفة الإيطالية التي اعتبرت أن أوربان كان يشكك في عقوبات ترامب ضد الشركات الروسية. في المقابل، ردّ أوربان ومساعدوه بأن الصحيفة عمدت إلى تحريف التصريحات.
الولايات المتحدة تخفض وجودها العسكري في أوروبا:
من جهة أخرى، أعلنت الولايات المتحدة عن خطط لتقليص وجودها العسكري في بعض دول أوروبا، بما في ذلك رومانيا والمجر. هذه الخطوة أثارت قلق أوربان، الذي كان قد صرح في الماضي بعدم ترحيبه بفكرة تقليص الوجود الأمريكي في المجر. هذا التراجع في القوات العسكرية الأمريكية قد يعزز من الضغط على المجر لزيادة إنفاقها الدفاعي، وهو أمر يُحتمل أن يكون ذا تأثير سلبي على الاقتصاد المجري الذي يعاني بالفعل.
مواجهة الضغوط الاقتصادية والعسكرية:
تأتي هذه التطورات في وقت حساس للمجر، مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في عام 2025، في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة. وفي حالة تقليص وجود القوات الأمريكية في البلاد، قد يتعين على المجر زيادة ميزانيتها الدفاعية، وهو ما قد يتطلب إما خفض الإنفاق في مجالات أخرى مثل الخدمات الاجتماعية، أو الاقتراض من الاتحاد الأوروبي. ومع أن أوربان يرفض هذا الخيار، فإن الوضع يبدو معقدًا.
التوتر مع الجيران الأوروبيين:
العلاقات بين المجر وجيرانها الأوروبيين، مثل كرواتيا، تزداد تعقيدًا في هذا السياق. فقد أبدت كرواتيا استعدادها لتعويض المجر وسلوفاكيا بالنفط في حال قررت المجر التخلي عن الإمدادات الروسية. بينما تواصل الولايات المتحدة الضغط على المجر وعلى دول الناتو الأخرى لتقليص اعتمادها على الطاقة الروسية، فإن أوربان يواصل محاولاته لتأمين مصالح بلاده، حتى وإن كان ذلك يعني الوقوف في مواجهة مع الحلفاء التقليديين.
نهاية المظلة الأمريكية؟
وتجدر الإشارة إلى أن وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيجسيث، كان قد صرح سابقًا بأن الولايات المتحدة ستقلص وجودها العسكري في أوروبا على المدى الطويل، مع دعم فكرة أن الأوروبيين يجب أن يتخذوا خطوات أكبر لتوفير أمنهم بأنفسهم. هذه السياسة أصبحت أكثر وضوحًا مع برنامج “PURL” الذي يقتضي أن تقوم الدول الأوروبية بشراء الأسلحة من الولايات المتحدة لأوكرانيا، بدلاً من أن تقوم واشنطن بتوفير هذه الأسلحة بشكل مباشر.
في الوقت الحالي، لا تزال المجر تُنفق نحو 2% فقط من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، وهي نسبة أقل بكثير من الهدف المحدد من حلف الناتو، الذي يتطلب أن تُنفق الدول الأعضاء 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2035. وبالتالي، يواجه أوربان تحديًا صعبًا في الموازنة بين موقفه الثابت تجاه روسيا ومتطلبات التحالفات الدولية، خاصة في ظل تزايد الضغط الأمريكي.
المرحلة المقبلة ستشهد مواجهات صعبة بين أوربان وترامب، فضلاً عن تحديات داخلية وخارجية للمجر. في ضوء التطورات السياسية والعسكرية، يتعين على أوربان اتخاذ قرارات حاسمة تؤثر على مستقبل العلاقات بين المجر والولايات المتحدة، وكذلك على الاستقرار الداخلي للبلاد في ظل الأزمات الاقتصادية المتعددة.



