المنطقة على صفيحٍ ساخن: التطرف الإسرائيلي وتهديد الأمن القومي المصري

المحلل السياسي د. خالد العزي – مناشير
في ظل واقع دموي ومتقلب، أصبحت المنطقة بأكملها على شفا انفجار شامل. حرب مستمرة، ومشاريع تهجير، وتحالفات متصدعة، ومواقف دولية متواطئة أو عاجزة. وسط هذا المشهد، تبرز إسرائيل، بقيادة اليمين المتطرف، كقوة لا تكترث بالقانون الدولي، ولا بحسابات الإنسانية، بل تسير بخطى ثابتة نحو تفجير المنطقة، تارة تحت ستار الأمن، وتارة باسم “دولة إسرائيل الكبرى”.
لكن هل تستطيع دولة، مهما بلغت من القوة، أن تفرض مشروعها على أنقاض الشعوب؟ وماذا عن مصر، التي تجد نفسها بين مطرقة الاحتلال وسندان الضغوط الإقليمية؟ وهل ما يجري اليوم مجرد تصعيد مؤقت، أم بداية لمرحلة جديدة من المواجهة؟ دعونا نقرأ هذه القصة من بدايتها.
1-اليمين الإسرائيلي المتطرف بين سياسة الأرض المحروقة وأوهام الدولة الكبرى
منذ انطلاق عملية “طوفان الأقصى”، تتصرف الحكومة الإسرائيلية، وتحديدًا جناحها اليميني المتطرف، وكأنها نالت تفويضًا مفتوحًا لتدمير كل ما يقف في طريقها. أكثر من سبع جبهات فتحتها إسرائيل دفعة واحدة، وتفاخر بها قادتها باعتبارها معركة “الاستكمال التاريخي” لمشروع الدولة اليهودية الكبرى، الذي لا يتوقف عند حدود غزة أو الضفة، بل يتجاوزها ليشمل التهامًا صريحًا للسيادة الفلسطينية، وتهديدًا واضحًا لجيرانها.
وقد لعب الدعم الأمريكي، خاصة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، دورًا حاسمًا في تمكين هذه السياسات، حيث مُنحت إسرائيل ما يشبه “الشيك الأبيض” للتحرك كما تشاء، دون قيد أو محاسبة. هذا الدعم تجدد بشكل فجّ في جلسة مجلس الأمن بتاريخ 18 أيلول، حين استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) لتعطيل مشروع قرار يطالب بوقف الإبادة الجماعية في غزة، مما كشف بوضوح أن التواطؤ الدولي، وليس فقط الصمت، هو ما يغذي ماكينة الحرب الإسرائيلية.
2-الضغط على مصر: تهجير الغزاويين وتوريط القاهرة في التغيير الديموغرافي
في ظل محاولة إسرائيل لاحتلال مدينة غزة وتهديمها بالكامل، تُصرّ الحكومة الإسرائيلية المتطرفة على تنفيذ مخططها الاستراتيجي بتهجير سكان القطاع، وفتح باب النزوح القسري باتجاه مصر، وتحديدًا إلى سيناء. ومن هنا، تبدأ مرحلة جديدة من الضغوط المركبة على القاهرة، التي أصبحت فعليًا بين “فكّي كماشة”:
من جهة، إسرائيل التي تحاول استخدام المعابر الحدودية كورقة ضغط لتمرير أجندتها.
ومن جهة أخرى، أطراف إقليمية تُحمّل مصر مسؤولية ما يحدث في القطاع، في سياق سياسي لا يخلو من الاتهام والتوظيف الدعائي.ويمكن تلخيص هذا المشهد المعقد في ثلاث نقاط رئيسية:
أولًا: استخدام التهجير كسلاح سياسي ضد مصر
تحاول إسرائيل دفع مصر نحو فتح معبر رفح بشكل دائم لإدخال سكان غزة إلى سيناء، الأمر الذي سيُحمّل القاهرة تبعات وجود مئات الآلاف من الفلسطينيين على أراضيها. ويبدو هذا المخطط وكأنه هدية لإسرائيل، التي تسعى لتفريغ القطاع ديموغرافيًا، ثم تحميل مصر المسؤولية الكاملة عن من تبقّى من الفلسطينيين، وكأن إسرائيل لم تكن يومًا قوة احتلال تتحمل واجب حماية المدنيين.
المخاطر هنا لا تقتصر على الجانب الإنساني فحسب، بل تشمل محاولة جعل مصر شريكًا في التهجير، الأمر الذي يهدد الأمن القومي المصري، ويضرب العمق الاستراتيجي الفلسطيني، ويمهد لتكريس واقع جديد على الأرض يصعب التراجع عنه.
ثانيًا: الاتهامات الدعائية لمصر من محور الممانعة والحركات المتطرفة
في الوقت الذي تُصرّ فيه مصر على عدم السماح بخروج جماعي لأهالي القطاع، حفاظًا على الثوابت الوطنية ورفضًا لمخطط التهجير، تتعرض لحملة ممنهجة من بعض الحركات الإسلامية المتطرفة وأذرع “الممانعة”، التي تتهمها بأنها تتسبب في تعريض مليوني فلسطيني للإبادة، عبر رفض فتح المعابر.
هذا الخطاب يُستخدم كأداة تضليل لتبرئة الاحتلال من مسؤوليته القانونية، وكأن فتح المعبر هو الحل الوحيد لإنقاذ الفلسطينيين، متجاهلين أن إسرائيل هي من يفرض الحصار، وهي من يقتل المدنيين، وهي من يتحمل المسؤولية أمام القانون الدولي. هكذا تتحول المعابر من وسيلة إنسانية إلى أداة اتهام سياسي، يتم من خلالها شيطنة مصر وتبرئة إسرائيل.
ثالثًا: السلطة الفلسطينية بين سندان إسرائيل ومطرقة حماس
في ظل هذا المشهد المأزوم، تستمر السلطة الفلسطينية في حالة من الغياب شبه الكامل، نتيجة التهميش السياسي الذي تمارسه أطراف إقليمية، سواء من محور الممانعة أو النفوذ الإيراني السني والشيعي. هذا الغياب يُبقي السلطة رهينة بين طرفين:
-إسرائيل، التي تسعى إلى تحجيم دور السلطة وإنهاء وجودها كطرف تفاوضي معترف به.
-وحماس، التي تتمسك بسيطرتها على غزة باعتبارها مفتاح شرعيتها السياسية والأمنية، رغم ما يعانيه سكان القطاع من حرب ودمار.
المفارقة المؤلمة أن هذا التلاقي الموضوعي بين أهداف حماس وتوجهات إسرائيل، يؤدي إلى إضعاف المشروع الوطني الفلسطيني، وتثبيت الانقسام كأمر واقع، وهو ما يخدم أطرافًا لا تسعى إلى حل، بل إلى إدارة الأزمة وإطالة أمدها.
3- هل تتجه العلاقات المصرية-الإسرائيلية نحو صدام عسكري؟
في هذه الأثناء، تستمر إسرائيل في توسيع رقعة المواجهة، ليس فقط على الأرض، بل سياسيًا أيضًا. فقد تعرّضت جهود الوساطة القطرية لضربات متتالية، كما تم استهداف قادة سياسيين من حماس، في خطوات قرأتها القاهرة على أنها إفشال متعمد لكل فرص التهدئة. أكثر من ذلك، بدأت دوائر صنع القرار في مصر ترى أن التصرفات الإسرائيلية لم تعد مجرد ردود فعل أمنية، بل تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.
وهنا تُطرح الأسئلة الأصعب:
هل تواصل مصر التزامها بضبط النفس رغم الاستفزازات؟
هل يمكن أن تتحول الأزمة إلى قطيعة دبلوماسية، أو حتى إلى صدام عسكري محدود؟
وهل تستطيع إسرائيل تحمّل تبعات مواجهة مع مصر، في ظل انشغالها بجبهات متعددة، ومأزق داخلي متصاعد؟
الواقع يقول إن مصر، الدولة الأكبر في الإقليم، لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي طويلًا. وإن تجاوزت إسرائيل الخطوط الحمراء، فقد تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع القاهرة، خصوصًا إذا أصرّت على دفع الفلسطينيين إلى سيناء، أو استمرار استهداف القيادات السياسية، أو تعطيل الجهود الإقليمية للتهدئة.
ما بين الصمت والانفجار… أين تتجه المنطقة؟
تتجه المنطقة نحو منعطف خطير. فالسياسات الإسرائيلية المتطرفة، والدعم الأمريكي الأعمى، والعجز الدولي، يضعون شعوب المنطقة أمام احتمالات غير مسبوقة من التهجير، والفوضى، وربما الحرب. في هذا السياق، يبرز الدور المصري كحاسم ومفصلي، ليس فقط من الناحية الجغرافية، بل كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
فإذا استمرّت إسرائيل في استفزاز مصر، وتمادَت في مشروعها لتهجير الفلسطينيين، فإن القاهرة قد تجد في التصعيد فرصة لتغيير قواعد اللعبة، وكسر احتكار إسرائيل للمشهد السياسي والعسكري. ومهما كانت الحسابات الدقيقة التي تمنع الحرب الآن، فإن استمرار الظلم والتطاول الإسرائيلي قد يجعل من المواجهة خيارًا حتميًا، قد لا تكون نتائجه كما تتوقعه تل أبيب أو حتى واشنطن.
إن التاريخ لا يُصنع بالصمت، بل بالمواقف. ولعل ما نعيشه اليوم، هو لحظة فاصلة بين مستقبلين: أحدهما تكرّس فيه إسرائيل قوتها على حساب الجميع، وآخر تُرسم فيه معالم توازن جديد للمنطقة، يبدأ من غزة… وقد لا يتوقف عندها.



