القوات اللبنانية: طموح التجديد وقيود الدور – أحمد جابر

كتب أحمد جابر في المدن
يقع إسم القوات اللبنانية في منطقة المحرّمات السياسية، لدى أكثر من طيف لبناني أهلي، ولدى أكثر من حزب سياسي، يساري أو ديموقراطي عام. إرث المحرّمات، تحمله القوات اللبنانية من تاريخ الحرب الأهلية، فهي التي آلت إليها خلاصات ممارسة “اليمين” الطائفي، الذي جمع بين أكبر حزبين مسيحيين، حزب الكتائب وحزب الأحرار، وهي، أي القوات، التي ألحقت مجموع “النخبة” بسياساتها، ثم تقدمت لقيادتها في ظلّ رمزية بشير الجميل، الذي صار رئيساً للجمهورية اللبنانية، لأيام قليلة، كانت خاتمتها اغتيال الرمز ومشروعه الخاص، الذي كان سياديّاً لدى جمهوره، وكان غير وطنيّ لدى الخصوم الذين اجتمع في صفوفهم يسار قومي واشتراكي وشيوعي، وأضاف إليهم وزن رموز تقليدية طائفية، ناصبت النخبة “المسيحية” النزاع على مصير الجمهورية.
قوات اليوم
التذكير بالتاريخ، هدفه الدخول إلى منطقة المحرّمات سياسياً، والخوض في مراجعة موضوعية تعيد وضع القوات اللبنانية في سياق مجمل السيرة اللبنانية، هذا يعني، عدم الكيل بمكيالين داخليين لدى مراجعة كل سيرة الحرب الأهلية، على نحو تُلْتَمَسُ الأعذار “الوطنية” لطرف سياسي، وتَصُبّ اللعنة الاتهامية على طرف سياسي آخر. في هذا المضمار، يجب القول إن تاريخ القوات اللبنانية يُستحْضَر من قبل خصومها الذين تشبه ممارساتهم اليوم، ممارسة القوات بالأمس، والغاية من ذلك، تثبيت القوات في الماضي، لإعادة بعث ماضٍ مناوئ، على الضفة الأخرى. توضع القيود الماضوية في أرجل وأيدي أولئك الذين يتوقون إلى استرجاع الماضي لنسيانه، ويتوقون إلى تأسيس آخر، لا يشبه ما كان في الماضي من انقسامات بنيوية تدميرية.
على خلفية الطموح إلى عيش الحاضر، والطموح إلى سكنى المستقبل، تبدو القوات اللبنانية في موقع السعي إلى هذين الطموحين، وتَظْهر أنها في موقع استيعاب اللحظة الداخلية وما يحيط بها من عوامل خارجية، فتصوغ كلامها من مادّة لبنانية فيها التداخلات الذاتية والموضوعية، كما تقدّم معطياتها، وبما تسمح به هذه المعطيات. لنقل كخلاصة أوّلية، إن لبنانية القوات اللبنانية، صارت متصالحة أكثر مع اللبنانية التقليدية، بكل ما تحمله من أوزار النشأة، هذا في الوقت الذي تبدي قوى سياسية أخرى خصومة مع هذه اللبنانية، من دون أن تقدّم ما يتجاوزها تطويراً، أو تجديداً، أو أخْذاً بيدها إلى مرتبة تسوية أعلى، تسمح باستقرار لازم وضروري لافتتاح مسيرة تسوية داخلية متعاظمة. من المناسب التذكير هنا، أن اللبنانية الأخرى، التي اقترحتها قوى اليسار ومن تحالف معها، أُسْقِطت بعد انفجار الحرب الأهلية بقليل، وقد تحالف ضدها، إلى قاعدة القوات، قواعد مذهبية رديفة، خاصمت “القوى الوطنية”، وقاتلتها بالسلاح حيث كان يتسنّى لها ذلك.
ماذا في اللحظة الراهنة؟
تتقدم القوات اللبنانية دعاة “التغيير”، وتساجل ضد من يُصوّب السهام على دورها. بنود الدعوة عديدة، ولدى ذكرها تلبس القوات لبوس البنود، لتحيلها جزءًا من “هويتها” الراهنة. في هذا المضمار، القوات سيادية، ولعلّها السيادة التي أضاعها النَسَق الرسمي الذي يفترض أنه مؤتمن عليها. التصويب السيادي القواتي على رئيس الجمهورية، وحليفه حزب الله. هذا الأخير، هو الطرف المقاوم الذي يدافع عن الكرامة والعزّة اللبنانية. ردّاً على “زعم” الحزب، تذكرّ القوات بأنها كانت المبادرة إلى المقاومة، وإلى الدفاع عن سيادة وعنفوان لبنان.
وإذْ يسيء “ثنائي” المقاومة والرئاسة، إلى العلاقات العربية، يعلو خطاب القوات بانتسابه العروبي، وبالدفاع عن القضايا العربية، في لحظة تعرّض هذه القضايا للإضرار بها، من قبل الخارج، الإيراني حصْراً، الذي يشكل سنداً ودعماً لخصميها السياسيين في الداخل اللبناني. ثلاثية القوات المعتمدة في اليوميات السياسية، تقوم على السيادة والمقاومة والعروبة، وعلى أساس هذه الثلاثية، تقوم المعادلة القواتية “المتوازنة” بين أحكام الداخل وممكنات الخارج، الإقليمي والدولي.
عومل مساعدة
تتضافر عوامل عديدة، لتجعل خطاب القوات اللبنانية الراهن، سَلِسَاً وهيّناً. من جهة التغيير “والثورة”، سهّل واقع المجموعات المُدُنية المشرذم مهمّة الانتساب إلى القوى التغييرية، وهي بّدَت أكثر انسجاماً بسبب من قدرتها على التنظيم والحشد، وعلى تحديد البرنامج وسبل التحرّك.
من جهة العروبة، قدّم الواقع العربي كل ما يجعل الانتساب إليه “نزهة”، فلقد غاب الهمّ الفلسطيني، وغابت مسألة الصراع العربي الصهيوني، وغابت مسائل الوحدة وما لازمها من شعارات. لقد أُفْرِغت العروبة من مضمونها، فصارت لغة ضاد ليس أكثر، إذن، تلاشت الكلفة السياسية التي كان يتطلبها الانتساب إلى العروبة، وقد يجوز القول، إن العرب صاروا “لبنانيين” في نمط عروبتهم، لبنانيين من الصنفّ الذين يرون رأي “قوات” الأمس، وقوات اليوم، في اعتناقهم لعروبة الربح من دون خسارة.
أمّا من جهة المقاومة، فكلام الدفاع عن لبنان من حزب الله وعن عزّة وكرامة اللبنانيين، يجد ترجمته في كتاب الفئوية الأهلية، بحيث يصير الخطاب المقاوم العام الذي يعلنه الحزب، خطاباً أهلياً خاصاً يدعي العمومية. انسجاماً مع هكذا رأي، لا شيء ينتقص من “المقاومة” اللبنانية التي قاتلت خصوم السيادة والكرامة عام 1975، ولا سبب للانتقاص من عمومية هذه المقاومة، التي قامت على أكتاف فئوية أهلية بعينها.
ما تقدّم، يجد إنسيابه غير القَلِق، في فوضى السياسات اللبنانية الحاضرة، ويجد “منطقه”، في لا منطق الحاكمين والمتحكمين بالمسار الذي أخذ لبنان إلى انهياره، ويجد تماسكه في تشظّي البديهيات الوطنية، وفي تناثر “المسلّمات – المشتركات” البينية.
إذن، لا يستطيع قائل طائفي تسفيه شبيهه، ولا يقوى ملتحق طائفي على اتهام مثيله، ضمن هذا وذاك، تنضح الخصوصية الضيقة، التي لا تسترها مساحيق العمومية الواسعة.
قيود الدور
تحتاج القوات اللبنانية إلى تاريخها، لتتقدّم على رافعته، أي إنها تحتاج إلى قاعدتها الخاصة، لتخاطب المدى الوطني الأبعد.
التاريخ، الذي هو حاجة حياة، وبطاقة انتساب، وخطاب اعتماد لدى الآخرين، هو قيد حضور، عندما يتعلق الأمر بما يتجاوز قاعدة التاريخ الأهلية. استعادة سريعة لما سبق ذكره من عوامل مساعدة، تظهر أن العروبة مثلاً، لا تحتل مكانة قناعة لدى الجمهور القواتي. والمقاومة كما يدلى بها، تعيد استحضار ذاكرة خصومة لدى من واجهوا تلك المقاومة، أما الاعتراف بتعريفها المقاوم، فلا يتعدّى المسافة بين “كفرشيما والمدفون”، وفقاً لأدبيات ذلك “الزمن المقاوم”. عنوان السيادة، يسهل الطعن التاريخي به، فالتدقيق التفصيلي يجعله غير سيادي، انطلاقاً من التحالفات التي نُسجت مع العدو، ومع الصديق. أمّا بند التغيير، والانتساب إلى ثورة، فمكبّل بحقيقة أن المقصود هو تعديل التمثيل وتوازناته، داخل بنية النظام، وليس خروجاً عليه، وهذا استرجاعاً، يعيد ربط القوات بماضيها، حيث كانت قاعدتها ضد الإصلاح الذي اقترحته قوى لبنانية عديدة، بقيادة كمال جنبلاط، وحسب برنامج إصلاحي تناول الأساسي من معضلات نظام الطائفية السياسية.
ماذا يبقى
يعود للقوات اللبنانية أمر إدارة معركتها السياسية وفق مقاييسها. وإليها ترجع شؤون خطط معركتها الانتخابية. لكن ما يجب الانتباه إليه، هو أن ما تدلي به القوات ما زال موضع خلاف، وهذا الأخير يجري إيقاظه في ذاكرة كثيرين، بوسائل إعلامية، وبكتابات وإعلانات تلامس الاستفزاز، وهي تنزّه أصحابها عن كل شائبة وطنية.
من جديد، هدف إخراج القوات من دائرة المحرّمات ينبغي أن تتضافر فيه جهود ومراجعات سياسية، وينبغي أن تتوفّر له بيئة قواتية، تتواضع وهي تنفخ في مآثر تاريخية، لا يراها الجميع مآثر وطنية.



