كيف نحمي لبنان؟ – زياد ضاهر

دكتور زياد فواز ضاهر
يقدّمُ المحورُ والحزبُ، عبر بياناتهما وماكينتهما الإعلاميّة، خطاباً يتلخّصُ في تسطيرِ الأهوالِ القادمةِ من العدوّ، وكأنّ فظاعةَ ما يفعله هذا العدوّ تكفي، بذاتها، لتشريع دورِ الحزبِ واستمرارِه، بعدما بات هذا الدورُ موضعَ سؤالٍ جديّ، وخصوصاً في ظلّ ارتباطِ قراره بإيران، وعلى رؤوسِ الأشهاد.
ويأتي ذلك بعد إخفاقاتٍ متتاليةٍ في حماية نفسه و قيادته أولا والوفاءِ بشعار «حماية لبنان»، بل إنّ الحزبَ نفسَه هو مَن نقضَ هذا الشعار مراراً، حين تنقّلَ في تحديدِ وظيفةِ سلاحه ودوره: من حمايةِ الطائفة، إلى حمايةِ «المقامات المقدّسة» في سوريا، إلى حمايةِ إيران، وصولاً إلى «إسناد غزّة». وفي كلّ مرّةٍ، كان لبنانُ واللبنانيّون أمام حربٍ أو احتمالِ حربٍ، من دون أن يكونَ لهم رأيٌ فعليٌّ في قرارِ خوضها أو في تحديدِ أهدافها وحدودها.
في المقابل، لا نسمعُ عن مبادرةٍ سياسيّةٍ جديّةٍ تصدرُ عن واحدٍ من أقوى التنظيماتِ الإقليميّةِ المسلّحة التي عرفتها المنطقة منذ التسعينيّات إلى اليوم. تارةً يُسلَّم الأمرُ إلى «الأخ الأكبر»، وتارةً ننتظرُ ما تقوله إيران، أو ما يقوله المسؤولون الإيرانيّون نيابةً عن الحزب.
وهنا تبدأُ الأسئلةُ التي لم يَعُد ممكناً الهروبُ منها:
هل يُعقَل أن يصبحَ بقاءُ حزبٍ لبنانيٍّ مرتبطاً باستمرارِ فظاعةِ أفعالِ العدوّ؟ وهل يكونُ وجودُ العدوّ هو المبرّرَ الدائمَ لوجودِ الحزب ودوره؟
وهل من الطبيعيّ أن يصبحَ استمرارُ الخطر الإسرائيليّ ضرورةً لاستمرارِ الصيغة التي يقومُ عليها الحزب؟
هل هو حزبٌ وُجِدَ فقط للحرب؟ وإذا كان كذلك، فلماذا لديه وزراءُ ونوّابٌ وممثّلون في النقابات المهنيّة والعمّاليّة والبلديّات ومؤسّسات الدولة؟ هل كلُّ هذا الحضورِ لخدمةِ حالةِ الحرب وإدارتها؟ أم أنّ التمثيلَ الشعبيَّ والسياسيَّ يفترضُ أن يكونَ لخدمةِ مصالحِ الناس، والمساهمةِ في بناءِ دولةٍ تمثّلهم وتحميهم وتصونُ حقوقهم؟
وهل يرى الحزبُ، فعلاً، مصلحةَ الناس في الانتقالِ من حربٍ إلى أخرى، وفي إبقاءِ مجتمعِه ولبنانَ كلَّه معلّقَين على احتمالاتِ المواجهة الدائمة؟
وإذا كان الحزبُ شريكاً في الدولة، والدولةُ مقصّرةٌ أو عاجزةٌ، فهل يُعفى هو من مسؤوليّته عن هذا التقصير؟ أم أنّه، ساعةَ يشاء، يصبحُ «حزبَ مقاومةٍ» لا يُسأل عن أداءِ الدولة، وساعةَ يشاء يصبحُ شريكاً في أدقّ قراراتها، من تطبيقِ اتفاق الطائف إلى تعيينِ مأمورِ أحراج؟
ألا يُفترض أن تُقاسَ قيمةُ أيّ حزبٍ سياسيٍّ بما يقدّمه من حلولٍ وطنيّةٍ لحمايةِ البلد، وحمايةِ ناسه ومؤيّديه، لا فقط بقدرته على توصيفِ الخطر والتحذيرِ منه؟
وهنا السؤالُ الأهمّ: هل حزبُ الله حزبٌ خاصٌّ بمحازبيه، أم حزبٌ لبنانيٌّ يفترضُ أن يحدّدَ خطواتِه وبرنامجَه وقراراتِه انطلاقاً من مصلحةِ لبنان وكلِّ شعبِه؟
العدوُّ سيبقى عدوّاً، ولا يحتاجُ اللبنانيّون إلى مَن يقنعهم بخطورته أو بوحشيّة اعتداءاته. لكنّ المشكلةَ تبدأُ عندما يقولُ لك لبنانيٌّ آخر: إمّا أن تكونَ معي، وتحتَ رايتي، وإمّا أن تصبحَ موضعَ شبهةٍ أو تخوينٍ أو اتهامٍ بالعمالة.
فكيف نحلُّ هذه المعضلة؟
العدوُّ مستمرٌّ في قتلِ أهلنا، وتدميرِ بلدنا، واحتلالِ أرضنا. والسؤالُ الذي يجب أن يُطرَح على مَن حملَ مشروعَ المقاومة طوالَ عقودٍ هو، ببساطة:
ماذا أنتم فاعلون؟
لم نسمع، مثلاً، دعوةً واضحةً من الحزب إلى الشعب اللبنانيّ لمقاومةِ العدوّ ضمن مشروعٍ وطنيٍّ جامع. لأنّ دعوةَ اللبنانيّين جميعاً إلى المشاركة في المقاومة تعني، حكماً، القبولَ بشراكةٍ وطنيّةٍ في قرارها وقيادتها وأهدافها ومرجعيّتها.
فهل المطلوبُ فعلاً مقاومةٌ وطنيّةٌ يشاركُ فيها كلُّ مَن يريدُ الدفاعَ عن لبنان؟ أم المطلوبُ الانضواءُ تحت رايةِ الحزب، وقيادتِه، ومرجعيّتِه المرتبطة بإيران؟
وإذا كان الخيارُ الثاني هو المطروحَ وحده، فمن حقّ اللبنانيّين أن يسألوا: هل ما زال نموذجُ المقاومة بصيغته الحاليّة مجدياً وقادراً على حمايةِ لبنان؟
وإذا لم يَعُد كذلك، فمَن تقعُ عليه مسؤوليّةُ تقديمِ البدائل؟
لا يكفي أن نقولَ للبنانيّين إنّ العدوَّ وحشيٌّ، وإنّ إسرائيلَ تعتدي وتقتلُ وتدمّر. فهذه حقيقةٌ نعرفها، ونعيشها، وندفعُ ثمنَها.
المطلوبُ اليوم جوابٌ عن سؤالٍ مختلف:
كيف نحمي لبنان؟
كيف نحرّرُ أرضَه؟ كيف نردعُ الاعتداءَ عليه؟ كيف نحمي شعبَه؟ وكيف ننتقلُ من معادلةٍ يصبحُ فيها استمرارُ العدوّ مبرّراً لاستمرارِ السلاح، واستمرارُ السلاح مبرّراً لغيابِ الدولة، إلى معادلةٍ يكونُ فيها الدفاعُ عن لبنان مشروعاً وطنيّاً جامعاً، وقرارُ الحرب والسلم قراراً لبنانيّاً، والدولةُ هي المرجعيّة؟
هذه ليست أسئلةً ضدّ المقاومة؛ فالمقاومةُ، كمفهومٍ وطنيٍّ وحقٍّ في مواجهة الاحتلال، لم تبدأ مع حزب الله، ولن تنتهيَ بانتهاء أيّ حزبٍ أو تنظيم. وليست هذه الأسئلةُ، بالتأكيد، تبرئةً للعدوّ من جرائمه أو تقليلاً من مسؤوليّته عن القتل والاحتلال والتدمير.
إنّها أسئلةٌ عن جدوى الخيارات، ومسؤوليّة القيادة، ومستقبل الدولة، وحقّ اللبنانيّين جميعاً في أن يعرفوا: إلى أين نذهب من هنا؟
دكتور زياد فواز ضاهر
كاتب سياسي



