سياسةمقالات

الصراع الخليجي على الأولويات والمصالح: خلافات بين الجيل الثالث من القادة

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الصراع الخليجي على الأولويات والمصالح: خلافات بين الجيل الثالث من القادة

د. خالد العزي – مناشير
في السنوات الأخيرة، تفجرت التوترات بين بعض دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، بشكل غير مسبوق، لتكشف عن صراع خفي بين الجيل الثالث من القادة الخليجيين الذين يمثلهم اليوم محمد بن سلمان ( ابو سليمان)في السعودية ومحمد بن زايد ( ابو خالد )في الإمارات. هذا الصراع لم يعد مقتصرًا على الملفات الاقتصادية فقط، بل بات يشمل أيضًا توترات استراتيجية حول الأولويات الوطنية والتوجهات السياسية. الصراع هذا يعكس تحولًا كبيرًا في كيفية إدارة المصالح الخليجية بعد رحيل مؤسسي هذه الدول الأوائل، الذين أسسوا لتحالفات قائمة على الاستقرار والتعاون بين دول مجلس التعاون.
التنافس على الأولويات الوطنية
في قلب هذا الصراع تكمن الأولويات الوطنية لكل من السعودية والإمارات، حيث بدأ الجيل الثالث من القادة يضع مصالح بلدانهم في المقام الأول، ما انعكس في تباين في السياسات وفي رؤية كل دولة لدورها الإقليمي والدولي. على سبيل المثال، في مجال سياسة النفط، كانت الإمارات دائمًا ما تدعم المواقف السعودية داخل أوبك، لكن في السنوات الأخيرة، بدأ التنافس يظهر بشكل صارخ مع قرار الإمارات بمخالفة الرياض في سياسة خفض الإنتاج النفطي. الإمارات التي سعت إلى تحسين مبيعاتها النفطية، رأتها فرصة لتعزيز استقلالها الاقتصادي عن السعودية، وهو ما تسبب في حدوث انقسام في صفوف أوبك بلس.
التنافس على دور القيادة في اليمن
يعد التنافس على النفوذ في اليمن من أبرز القضايا الخلافية بين الرياض وأبوظبي. بينما كانت السعودية القوة الأساسية في التحالف العسكري ضد الحوثيين، بدأت الإمارات في توسيع نفوذها داخل اليمن من خلال دعمها للمجلس الانتقالي الجنوبي والمليشيات المدعومة من قبلها في بعض المناطق الاستراتيجية. هذا التوسع الإماراتي في مناطق مثل سقطرى وباب المندب أزعج السعودية، التي ترى في ذلك محاولة للحد من سلطتها الإقليمية.
الاختلافات في سياسة أوبك
في وقت سابق، كانت الإمارات دائمًا تدعم مواقف السعودية داخل منظمة “أوبك” للحفاظ على استقرار أسعار النفط. لكن في السنوات الأخيرة، اختلفت الإمارات مع السعودية في سياسة خفض الإنتاج النفطي. في وقت كانت السعودية تدعو للحد من الإنتاج لمواكبة تقلبات السوق العالمية، قررت الإمارات زيادة الإنتاج، وهو ما خلق انقسامًا حادًا داخل “أوبك بلس” وزاد من حدة التنافس بين الدولتين.
الاحتكاك في العلاقات مع القوى الغربية
تظهر الخلافات أيضًا في السياسة الخارجية، حيث أن السعودية والإمارات قد تتبنيان مواقف مختلفة في بعض القضايا المتعلقة بالعلاقات مع القوى الغربية، سواء على الصعيد الأمني أو الاقتصادي. في بعض الحالات، تتجه الإمارات إلى التوسع في علاقاتها مع قوى غربية، بينما تسعى السعودية للحفاظ على موقفها التقليدي في التعامل مع الدول الغربية من منظور الهيمنة الإقليمية والتوازن في السياسات الدولية.
ترتيب الأولويات
كل دولة في الخليج تنظم أولوياتها وفقًا لمصالحها الخاصة، وهي التي تحدد استراتيجياتها في الساحة الإقليمية والدولية. فيما يتعلق بالعلاقة بين السعودية والإمارات، تتباين أولويات كل دولة بشكل واضح:
1-السعودية
السعودية، على سبيل المثال، تضع أولوياتها في الحفاظ على الأمن الإقليمي وتعزيز نفوذها السياسي في المنطقة العربية. أبرز الملفات التي تركز عليها السعودية هي الحرب في اليمن، علاقتها مع لبنان، والملف الإيراني. تسعى السعودية إلى تحجيم نفوذ إيران في المنطقة، وتؤمن أن استقرار العالم العربي يعتمد على قوة المملكة الإقليمية.
2-الإمارات
الإمارات، من جانبها، قد تكون أكثر اهتمامًا بالاستثمار في الاقتصاد وتعزيز دورها كقوة اقتصادية في الشرق الأوسط. تسعى الإمارات إلى أن تكون مركزًا ماليًا وتجاريًا عالميًا، ولذا فإنها تركز على بناء تحالفات اقتصادية بعيدًا عن الهيمنة التقليدية للسعودية، وهو ما يعكس توجهها نحو تحقيق استقلال اقتصادي من خلال التنويع والاستثمار في قطاعات غير نفطية.
التوازن بين الخلافات وحماية المصالح
رغم التوترات، فإن هذه الدول الخليجية تسعى إلى إيجاد توازن بين الخلافات وحفاظها على مصالحها الوطنية. في بعض الملفات، قد تتوصل الدول إلى تفاهمات عبر التفاوض، خصوصًا في المسائل الاقتصادية مثل التعاون في مجالات الطاقة والاستثمارات المشتركة. لكن التنافس على النفوذ، لا سيما في مناطق مثل اليمن والعلاقات مع القوى الغربية، يبقى حاسمًا في رسم ملامح سياسات هذه الدول المستقبلية.
هذا التوازن الذي تسعى إليه دول الخليج بين الخلافات وحماية المصالح الوطنية يمكن أن يتجسد في تسوية بعض الملفات دون حل جذري للخلافات. في المستقبل، من الممكن أن تكون التفاهمات مؤقتة، أو أن تتغير وفقًا للظروف الدولية والإقليمية، لكن يبقى أن التنافس الخليجي اليوم هو مزيج من حماية المصالح الوطنية وترتيب الأولويات وفقًا لكل دولة.
الصراع الخليجي الحالي: ليس مجرد خلافات تنافسية عابرة
الصراع الخليجي اليوم ليس مجرد اختلافات تنافسية عابرة، بل هو انعكاس لصراع أعمق على النموذج السياسي والاقتصادي، وعلى دور كل دولة في النظام الإقليمي والدولي. هذا التنافس بين دول الخليج يعكس تحولًا في العلاقات بين الجيل الثالث من القادة الخليجيين، حيث تسعى كل دولة إلى ضمان مصالحها في مواجهة التحديات المحلية والإقليمية والدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى