أيلول 1982: ثلاث محطات صنعت مسار المقاومة والسيادة في لبنان – خالد العزي

د. خالد العزي
في أيلول من العام 1982، يمكن أن يتذكّر أبناء الجيل الذي عاش تلك المرحلة ثلاث قضايا مهمة ومثيرة، كان لها تأثيرها الداخلي والخارجي. وطبعًا، ارتبطت هذه القضايا فعليًا باجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، تحت شعار إبعاد صواريخ منظمة التحرير الفلسطينية عن المناطق الحدودية، إلا أن القصة انتهت في بيروت، وأدّت إلى حصول هذه الأمور الثلاثة، التي يمكن التوقف عند أبعادها:
أولًا: اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل
في 14 أيلول 1982، اغتيل الرئيس المنتخب بشير الجميل، الرئيس القوي، نتيجة تقاطع مصالح إسرائيلية وسورية، وفق القراءة الواردة في هذا السياق. وقد أدى هذا الاغتيال إلى منع استقرار لبنان وإبقائه أمام أزمة سيادة، في ظل تدخل دول الجوار التي تلاعبت بلبنان طوال تلك الفترة.
ثانيًا: مجزرة صبرا وشاتيلا
في 15 أيلول، حصلت مجزرة صبرا وشاتيلا، والتي افتعلها شارون، وفق هذه القراءة، لكي يدخل إلى بيروت ويحقق ما لم يتمكن من تحقيقه بسبب الصمود الفلسطيني واللبناني، وليترك العار على لبنان وعلى دولته، نتيجة تغييب الدور الفعلي للفاعل، ومحاولة تحميل المسؤولية لأطراف يصعب عليها أصلًا اتخاذ هكذا قرار، حتى لو كان الدافع هو اغتيال رئيس جمهورية لبنان.
ثالثًا: انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية
في 16 أيلول، تحلّ ذكرى انطلاقة جبهة المقاومة، إثر بيان للثنائي محسن إبراهيم وجورج حاوي، تحت شعار: «هلمّوا للسلاح، الوطن باقٍ والاحتلال إلى زوال».
وبعد عشرة أيام، بدأ الاحتلال برفع صوته عبر مكبرات الصوت، معلنًا أنه سوف يخرج من بيروت، وأنه لا داعي لإطلاق النار على جيشه.
وكان الالتزام بجبهة المقاومة قرارًا حرًا من الثوار الوطنيين الذين كانوا يرون أن البلد محتل، وأنه يجب مقاتلة المحتل ومنعه من تركيز قدراته على الأراضي اللبنانية. وقد أدى هذا القرار غير المرتهن إلى أي طرف إلى تنفيذ عمليات كبيرة في لبنان، وصولًا إلى خروج المحتل من جانب واحد.
وبالتالي، نجحت المقاومة الوطنية في تحقيق نصر فعلي على العدو، إذ حررت 80 بالمئة من الأراضي اللبنانية، من دون تقديمها هدية لأحد، ومن دون القتال من أجل أجندة أحد.
لكن في العام 2000، الذي تحقق فيه الانسحاب، رفعت بعض القوى شعار الانتصار بالتحرير، الذي كان من جانب واحد، مما دفع هذه القوى إلى العمل على إيجاد انتصار ثانٍ في العام 2006، خدمةً للأجندة الإيرانية بعد سيطرتها على الجنوب وعلى لبنان.
والفرق بين المقاومين الأوائل والمقاومين في المرحلة اللاحقة أن الأوائل قاوموا من أجل لبنان، وكان شعارهم: «الموت للعدو والبقاء للمقاومين». أما في المرحلة الثانية، فأصبح شعار المقاومين أن لبنان هو خط الدفاع عن إيران ومحور الممانعة.
وبالتالي، فإن ما آل إليه الوضع الحالي، في ظل «حرب الإسناد»، في مرحلتيها الأولى والثانية، لم يكن دفاعًا عن لبنان، بل استجلابًا لإسرائيل إلينا، وحصلت الكارثة الكبيرة التي دفع أهل الجنوب ثمنها الباهظ.
وقد جاءت هذه النتيجة، وفق هذا الطرح، نتيجة إضعاف الدولة وتغييب رئيسها القوي عام 1982، وقتل الفلسطينيين، ومحاولة يتيمة نجح فيها المقاومون في مقاومة الاحتلال من أجل إعادة الدولة إلى السيطرة، وحصرية السلاح، واستعادة السيادة.
أما الفريق الآخر، فقد حوّل الجنوب ولبنان كله إلى مدن تحت الأرض وجبهة مقاومة، مما ساعد الاحتلال على ضرب الوعي المجتمعي من خلال التجريف والتهديم والإبعاد، وفرض معادلة مفادها أن الجغرافيا مهمة للتمسك بالأرض من جانب الأهالي، وأن الأنفاق لا تنفع، ولا يمكن أن تكون أحجارًا وأحزمة دفاع عن مشروع إيران الذي هُزم، وهُزم معه لبنان.
لكن الطور الجديد اليوم: هل بات الهدف الإسرائيلي الذي رفعه منذ دخوله إلى الأراضي اللبنانية في الثاني من آذار 2026، وهو نزع السلاح واستئصال الحراك العسكري وإنهاء السلاح والميليشيات، يشبه المرحلة التي سبقت الاجتياح الإسرائيلي للبنان في السادس من حزيران عام 1982؟
ففي تلك المرحلة، مهّد الاحتلال للأرضية المناسبة للخلاف بين الفلسطينيين والأحزاب اليسارية، بينما يعمل الإسرائيلي اليوم على التجريف والتهديم وتدمير القرى وقتل المدنيين وتفجير الأنفاق وضرب مواقع عسكرية للحزب داخل القرى، مما دفع المدنيين إلى رفع الصوت في وجه الحزب، والمطالبة من الدولة بحماية القرى.
فهل يسعى الإسرائيلي، من خلال هذا الطرح وهذه الممارسات، إلى توسيع الهوة بين الحاضنة الشعبية والحزب، نتيجة الأخطاء الكثيرة التي تُرتكب التي تساهم في تنفيذ أهداف العدو، ومتابعة الأعمال العدوانية وقضم المناطق؟
لذا، لا يمكن القول، في النهاية، إلا إن المقاومات الوطنية تنمو من رحم المعاناة، ولا يمكن لأي مشروع خارجي استخدامها أو توظيفها.
فإن اندفاع المقاومين للتصدي للعدوان كان نتاج فعل حب وارتباط بالوطن، أظهرته تجربة المقاومة بوصفها من أنبل الظواهر في التاريخ العربي الحديث.
تحية حب إلى المقاومين في تلك المرحلة، وإلى شهدائها وأبطالها.



