أوروبا في مفترق طرق: خطة سلام جديدة وسط تصاعد الأزمة الأوكرانية..

د. خالد العزي
منذ بداية الحرب في أوكرانيا، تواجه أوروبا تحديات معقدة تشمل دعم كييف في معركتها مع روسيا، بينما تكافح للحد من التأثيرات الاقتصادية والعسكرية لهذه الحرب. في المقابل، ترى روسيا أنها قادرة على هزيمة أوكرانيا في نهاية المطاف، مما يعكس توترًا كبيرًا في موازين القوى على الأرض. وفي هذا السياق، يرفض الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، الانخراط المباشر في الحرب، مما يضع أوروبا في موقف صعب حيث تسعى لتوجيه مجريات الأحداث لصالحها.
خطط أوروبا والأوكرانيين لتسوية الأزمة
في هذه الأوضاع المعقدة، يخطط النظام الأوكراني والدول الأوروبية لتقديم خطة سلام مشتركة قريبًا. ورغم أن تفاصيل هذه الخطة ما زالت غير واضحة، تشير المصادر الغربية إلى أنها ستتكون من 12 نقطة رئيسية، تشمل وقف إطلاق النار، خطة لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وشروطًا لتمويل استعادة الأراضي الأوكرانية، بالإضافة إلى الحفاظ على قوة الجيش الأوكراني تحت السيطرة المباشرة للنظام.
إحدى أبرز الملامح في هذه الخطة هي إنشاء “مجلس سلام” بقيادة دونالد ترامب، الذي سيكون مسؤولًا عن الإشراف على عملية التفاوض وضمان التزام الأطراف بشروط الاتفاق. تمثل هذه الخطة رؤية أوروبية-أوكرانية تهدف إلى تمكين أوكرانيا من “كسب الحرب” ومن ثم فرض شروط السلام على روسيا. في نفس الوقت، تُظهر أوروبا استعدادها لدخول الحرب إلى جانب أوكرانيا، مما قد يدفع موسكو إلى قبول الشروط التي ستزيد من تعقيد موقفها.
المرونة والتوجهات الجديدة في الخطة الأوروبية
ما يميز هذه الخطة عن المقترحات السابقة هو مرونتها، ما قد يفتح المجال للتسوية الدبلوماسية. على سبيل المثال، لا تتطلب الخطة انضمام أوكرانيا الكامل إلى الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو، وهو أمر ترفضه كل من روسيا والولايات المتحدة. بدلاً من ذلك، تقتصر الخطة على انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي فقط، وهو ما لا تعارضه موسكو. كما تتضمن الخطة تعزيز التعاون العسكري التقني بين أوكرانيا والغرب، وهو أمر ترحب به واشنطن لكنه قوبل بالرفض من موسكو.
كما تقترح الخطة رفع العقوبات المفروضة على روسيا، ولكن بشرط أن يساهم الكرملين “طوعًا” بجزء من الأصول الروسية المجمدة في إعادة إعمار أوكرانيا. ورغم أن روسيا لم تعلن موقفها الرسمي من هذه الفكرة، إلا أن هناك إشارات تلمح إلى رفضها لها.
وأخيرًا، يبدو أن الخطة لن تطالب موسكو بإعادة أوكرانيا إلى حدود عام 1991 أو حتى 2014 أو 2023. بل، من المحتمل أن تقتصر الخطة على تجميد الوضع عند خط التماس الحالي، مع ضمانات بعدم تقدم الجيش الروسي في هذه المناطق. هذا قد يُعتبر بمثابة تنازل من كييف وبروكسل، خاصة في ظل التقدم الذي يحققه الجيش الروسي في مناطق عدة.
دور ترامب في الخطة
من أبرز ملامح هذه الخطة هو الدور المحوري المتوقع لدونالد ترامب في عملية التفاوض. يُتوقع أن تكون الخطة بمثابة وثيقة أمريكية-أوروبية مشتركة، وليست مجرد بديل لخطة ترامب كما حدث مع مسودة “أنكوريج”. في هذه الخطة، يُعرض على ترامب قيادة “مجلس السلام”، مما يعكس استغلالًا محتملًا لغروره السياسي من جانب بروكسل وكييف.
ترامب يدرك أنه لا يستطيع الضغط على أوروبا لقبول الشروط الروسية التي تم الاتفاق عليها في أنكوريج، وبالتالي يسعى إلى تسوية عبر المفاوضات. ربما يأمل ترامب أن يساعد التنسيق مع أوروبا في إقناع بوتين بقبول إعادة النظر في اتفاقية “أنكوريج”، وبالتالي تجنب التصعيد العسكري.
التغيرات في مصالح أوروبا
تُظهر هذه الخطة تحولًا تدريجيًا في مصالح أوروبا. في السابق، كانت بروكسل تسعى إلى تقويض جميع الاتفاقات الروسية-الأمريكية، وتصعيد الحرب ضد روسيا. لكن مع مرور الوقت، أصبح من الواضح أن أوروبا لم تعد قادرة على تحمل المزيد من التصعيد العسكري بسبب محدودية مواردها الاقتصادية والعسكرية.
إدراكًا منها لحتمية هزيمة النظام الأوكراني، ورفض ترامب القاطع للانخراط في الحرب، تسعى أوروبا الآن لضمان مكانها على طاولة المفاوضات. وإذا لم تتمكن من إقناع الولايات المتحدة بالتحرك، فإنها على الأقل تسعى لتعديل موقفها الراديكالي تجاه روسيا. من هنا، جاءت خطط التسوية الجديدة وتغيير الخطاب الأوروبي، حيث أصبح التركيز على الحلول الوسطية لتجنب التصعيد العسكري.
مستقبل المفاوضات الأوروبية الروسية
في مرحلة المفاوضات، سيكون لدى الاتحاد الأوروبي القدرة على تعطيل سير المفاوضات أو ضمان أن الهزيمة في أوكرانيا لن تكون استراتيجية غربية. فإما أن تمنع بروكسل روسيا من تحقيق انتصار كامل، أو تسعى إلى تسوية تضمن بعض المصالح الأوروبية دون خسارة استراتيجية كبيرة.
من الواضح أن أوروبا تتبنى خطة أكثر مرونة في الوقت الحالي، مع إدراكها لتغير الموقف الدولي تجاه الأزمة الأوكرانية. تسعى أوروبا إلى ضمان مكانتها في المفاوضات، مع احتمال أن يقود ترامب العملية السلمية. وفي النهاية، ستكون هناك حاجة لمرونة في التعامل مع روسيا لتجنب التصعيد وضمان مصلحة الجميع في إيجاد حل يخفف من الأضرار الناتجة عن الحرب.
وفي نفس الوقت، سيُساهم الدعم الأوروبي والعقوبات الجديدة في وضع روسيا في موقف صعب، مما قد يعقد الحرب ويدفع موسكو إلى تقديم التنازلات لتفادي المزيد من الأعباء العسكرية أو فتح جبهة حرب واسعة.



