خبر عاجلسياسةمقالات

من يخشى إيران النووية – أحمد جابر

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

من يخشى إيران النووية – أحمد جابر

 

أحمد جابر – مناشير

تطاول ليلُ المباحثات النووية بين إيران وعدد من الدول الغربيّة، حتّى خُيّل للمتابع أن هذا “الليل ليس بمُنْقَضٍ”، هو الذي عَرَف بَصيصَ اتفاقٍ عام 2015، ثم ما لبث أن ادلهمَّ عتمه، بعد أن انسحبت منه الولايات المتحدة الأميركية.

 

تجدر الإشارة إلى أن الدول المنخرطة في المباحثات، لم تكن على سويّة تَطَلّب واحدة، والحثّ على سرعة الوصول إلى إعادة إحياء الاتفاق، كان شأن الدول الأوروبية ومنها عدد من الدول العربية، بينما كانت الولايات المتحدة الأميركية تراقب من موقع الاسترخاء المطمئن، وتواكب على صهوة عدد من التدابير العقابية، التي ظنّتها ذات مردود زجْري على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأنّها ستأتي أُكُلَها ولو بعد حين…

 

ربما يمكن القول اليوم، إن السياسات التي اتبعت من قبل كل الأطراف، لم تكن مناسبة مع حجم وصف التهديد النووي الإيراني “للسلام العالمي”، ولم تكن ذات أثر رَدْعي على سياسات الهجوم الإيراني التي طبعت تحركات نفوذ الجمهورية الإسلامية خاصة في المدى العربي الواسع، وفي حدود التماس مع عدد من الدول العربية.

 

أوروبا وإيران:

تتحرّك السياسة الأوروبية بهواجس استباقية، فهي جارة إيران، وتقع في مرمى صواريخها، لذلك، ومن دون إسقاط حساب عدم قدرة القوة النووية الجديدة على استخدام وسائطها، لا تستطيع القوى الأوروبية احتمال خروج الضبط والانضباط الإيرانيين، عن قيود السيطرة، طبقاً للتبدلات الإقليمية والدولية المحتملة.

 

تِبْعاً لذلك، تتصرف “أوروبا” حيال الملف النووي الإيراني، كبند من بنود أعمالها، فلا تستطيع إهماله، ولا تقوى على غضّ البصر عنه، لا على مستوى السياسات القريبة، ولا على مستوى التخطيط الاستراتيجي العام.

 

تختلط حسابات المصالح الأوروبية وتتنوع، فهي إذ تَرْغب بالتوظيف الاقتصادي المجزي مع إيران، فإنها، في الوقت ذاته، لا تسعى إلى مقايضة عجولة تربح من خلالها مرحلياً، وتخسر بسببها في قادم الأيام. ميزان الربح والخسارة، تحكمه رؤية حدود النفوذ الإيراني في الإقليم، وتتحكّم به مخاطر امتلاك إيران للسلاح النووي، الذي قد يجعلها كوريا شمالية ثانية، تعكّر سكينة أوروبا، بمقدار ما تعكّر العاصمة الكورية، بيونغ يانغ، سكينة أميركا وحلفائها. هل يجيب ما تقدم على سؤال: هل لأوروبا مصلحة في إعاقة وصول إيران إلى حيازة السلاح النووي؟ يغلب الجواب بالإيجاب على ما عداه، في معرض الردّ على السؤال. وهل يُقلق السلاح الممكن، سياسات الاحتمال الأوروبية؟ نعم هو كذلك. عليه، يصحّ الاستنتاج، أن طلب السرعة في إحياء الاتفاق النووي، طلب حقيقي من جانب الأوروبيين، ويصحّ الاعتقاد، أن المفاوض الإيراني يدرك حقيقة الموقف الأوروبي، فيراوغ حياله حيث يريد، ويبتزّه ويوظفّه حيث يتسنّى له ذلك.

 

الولايات المتحدة الأميركية وإيران:

لا تنفصل اللحظة الإيرانية، أميركياً، عن اللحظة الأفغانية، وعن اللحظتين العراقية والسورية، وربما أضفنا إلى كل ذلك لحظة الخليج، انطلاقاً من عنوان المعضلة اليمنية. خلاصة اللحظات تلك، إعادة انتشار للسياسة الأميركية، هي أقرب إلى انعدام التركيز، بعد بروز العنوان الصيني، وحليفه المفترض الروسي. من مداخل متعددة، بات التشتّت سمّه لسياسة البيت الأبيض اليوم، بعد أن أخفق “نزلاء البيت” الكثر، عن امتلاك “قيادة” العالم، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

 

هل لأوروبا مصلحة في إعاقة وصول إيران إلى حيازة السلاح النووي؟ يغلب الجواب بالإيجاب على ما عداه، في معرض الردّ على السؤال. وهل يُقلق السلاح الممكن، سياسات الاحتمال الأوروبية؟ نعم هو كذلك. عليه، يصحّ الاستنتاج، أن طلب السرعة في إحياء الاتفاق النووي، طلب حقيقي من جانب الأوروبيين

 

ارتباطاً بعدم التركيز العام، لم يعوض التركيز الجزئي على الملف الإيراني، منذ جورج بوش الإبن، الذي اقتحم العراق ولم يردع الإيراني، ومع أوباما، الذي أخذ التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، وترك المنطقة مسرحاً لنفوذها. إلى جانب السياسة، يجب ذكر الجغرافيا، فهذه تصير سياسة عندما يتعلق الأمر بمحاذاة المشكلة، أو بمجاورتها، أو بملامسة حدودها. عليه، فإيران البعيدة عن الأرض الأميركية، صارت أكثر بعداً في السياسة، ساعة الاتفاق معها، وبعد العودة عن هذا الاتفاق.

 

في مضمار القلق الجغرافي، لا تتشارك الولايات المتحدة مع أوروبا، وفي ميدان الاستهداف الصاروخي، هي بعيدة جغرافياً، وبعيدة تقنياً، أي على صعيد امتلاك القدرة المتفوقة، التي تصدّ الهجمات غير الدقيقة، التي قد تأتيها من بلد طرفي مثل إيران. على صعيد الحسابات، وفي مجال التقدير الوقائعي، لا تبيت “أميركا” على قلق “كأن الريح تحتها”، لسبب تقني كما سلف، ولسبب سياسي أساسي موجزه: أن إيران تجادل أميركا من أجل إجازة دور ونفوذ لها في الإقليم، أي أنها تقدم طلب “اعتماد” لديها، من موقع الرغبة، وليس من موقع الخصام.

 

في سياق ما ورد، قد يكون القلق الأوروبي المستدام، مطلباً أميركياً، لأسباب أميركية بحتة، سياسية واقتصادية، وقد تعيد السياسة الأميركية النظر في الثمن المطلوب لاعتماد إيران كشرطي في جزء من المنطقة، العربية وغير العربية، ما دام الإيراني مستعداً لقبول شروط الاعتماد، في مقابل ثمن معلوم. ماذا يُبنى على ذلك؟ خلاصة مكثّفة: لا قلق أميركياً من النووي الإيراني، لذلك فإن الخشية حقيقية، من التمادي في ترك ملف التفاوض مفتوحاً، فذلك يقترب من جعل المماطلة على الطاولة، مدّة سماح للقرار الإيراني الفعلي، الساعي إلى امتلاك القنبلة النووية. الوقت، إذن، عامل خطير، أوروبياً، وعامل تلاعب، أميركياً، وعامل توظيف، إيرانياً، بحيث يكون السلاح المتحقق، عامل صياغة توازنات جديدة.

 

العرب وإيران:

ليس في الحوزة ما يمكن إيراده، على مستوى الفعل الذاتي، ومع غياب العامل الذاتي، لا معنى للحديث عن الإتكالية العربية التي تقوم سياساتها على المناشدة، وعلى حثّ الغير، وعلى إبداء المخاوف… العربي ليس أصيلاً، نووياً، بل هو ملحق بسياسات مراكز القوى الدولية، وهو ليس وكيلاً حتى، لذلك فهو على مقعد الانتظار، حتى جلاء صورة قرارات الأقوياء، وحتى التعرف على هويّات الوكلاء الجدد، الذين سيؤول إليهم أمر إدارة الأوضاع العربية بالمفرّق، وربما أكثر من المفرّق بقليل، حسب وزن كل وكيل إقليمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى