لبنان بين الرد الأميركي وهاجس الحرب: هل تكفي الضغوط أم أن الصدام قادم؟

كتبت ميرنا دلول في مناشير
في محطة دبلوماسية لافتة، سلّم الموفد الأميركي إلى لبنان، توم براك، ردّ الإدارة الأميركية على المذكرة التي طرحها الرؤساء الثلاثة في بيروت لمعالجة ما بات يُعرف بـ”مسألة السلاح”. الرد كان حازمًا: رفض أميركي واضح لبنود المذكرة اللبنانية التي أعلن عنها رئيس الجمهورية جوزاف عون في خطابه الأخير بمناسبة عيد الجيش في 31 تموز.
ثمانية بنود وُضعت كخريطة طريق لبناء الدولة، تنطلق من وقف العدوان الإسرائيلي، إلى تسليم السلاح، فتعزيز الجيش، ثم إعادة الإعمار، وترسيم الحدود مع سوريا، مرورًا بحل أزمة النازحين ومكافحة التهريب والمخدرات. ولكن واشنطن، ووفق ما تسرّب من أجواء لقاء براك – عون، رفضت التعامل مع الطرح اللبناني بوصفه أرضية تفاوضية، واعتبرته غير واقعي، ولا يراعي موازين القوى أو الأولويات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.
المذكرة التي طرحها الرئيس عون لا تخلو من منطق دولة، لكنها أيضًا تتصادم مع وقائع إقليمية ودولية معقّدة. فإسرائيل، الخارجة لتوّها من حرب مدمّرة في جنوب لبنان، لا تزال تنظر إلى “حزب الله” كتهديد استراتيجي، فيما ترى واشنطن أن نزع سلاح الحزب يجب أن يتم وفق “معادلة الردع لا التفاهم”.
هنا، يبرز السؤال: ماذا لو لم تُنفذ الشروط اللبنانية؟ هل ستمضي المنطقة نحو تسوية دبلوماسية أم نحو مواجهة جديدة؟
في ضوء الموقف الأميركي الرافض، تتكثف المؤشرات على تصاعد الضغوط السياسية والمالية والدبلوماسية على لبنان. لا مؤشرات مباشرة على نية أميركية أو إسرائيلية لشن حرب جديدة وواسعة في المدى القريب، خاصة بعد الخسائر البشرية والاقتصادية التي تكبدها الطرفان خلال الحرب الأخيرة. لكن في المقابل، لا ضمانات لعدم الانزلاق نحو التصعيد، لا سيما في حال فشل المساعي الدبلوماسية أو ارتكبت إسرائيل مغامرة جديدة في الجنوب.
الضغط سيتخذ شكل تشديد العقوبات، تعطيل المساعدات، وربما التلويح بورقة إعادة الإعمار كأداة ضغط، إضافة إلى حملات إعلامية ومواقف سياسية تصعّد في وجه “حزب الله” وتضغط على حلفائه في الداخل.
في الداخل، يعاني لبنان من شلل سياسي تام، ومؤسسات دستورية معطّلة، واقتصاد على شفير الانهيار الكامل. الرئيس عون، بمحاولته بلورة موقف لبناني موحّد، يدرك حجم التحديات، لكن أي مسار تفاوضي يتطلب إجماعًا داخليًا مفقودًا. أما الخارج، فيصرّ على أن الأولوية هي لنزع سلاح “حزب الله” قبل أي حديث عن إعادة الإعمار أو دعم اقتصادي جدّي.
بالمقابل، يردّ الحزب وحلفاؤه بأن أمن لبنان لا يكون بتسليم سلاح المقاومة بل بوقف الانتهاكات الإسرائيلية وتثبيت قواعد اشتباك واضحة، ويرفضون تحويل قضية السلاح إلى “مطلب دولي” مشروط بالمساعدات.
في الإقليم، لا مؤشرات على أن الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران تسعى لحرب شاملة. لكن لبنان يبقى ساحة محتملة لصراعات الوكالة. يبدو أن واشنطن تفضل خيار “الاحتواء بالضغط” بدل “المواجهة بالسلاح”.
أما المبادرة اللبنانية، فإن مصيرها اليوم مرتبط بمدى قدرة الدولة على الصمود في وجه الضغوط، وتمكّنها من بلورة موقف داخلي واحد، لا موقفين متناقضين
خلاصة: لا حرب شاملة… ولكن لا سلام مستقر أيضًا
إذا لم تُنفّذ الشروط اللبنانية، فالمتوقّع هو تصاعد الضغط الدولي والخليجي على لبنان، وتزايد العزلة السياسية والاقتصادية. أما عودة الحرب، فتبقى احتمالاً واردًا لكن غير مرجّح في المدى القصير، إلا إذا وقع تفجير أمني كبير يعيد خلط الأوراق.
لبنان اليوم أمام مفترق دقيق: إما مقاربة وطنية شاملة توفّق بين منطق الدولة وضرورات الردع، وإما استمرار التدهور والانزلاق نحو مزيد من العزلة والضعف.



