قصف بلدة المنارة خطوة استراتيجية جديدة للاحتلال يُحدد فيها “حدود المرحلة الثانية” لنزع السلاح..

د.خالد العزي – مناشير
نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي سلسلة من الغارات الجوية على مناطق جنوبية وبقاعية في لبنان في 5 كانون الثاني 2026، ، شملت ضربات متتالية في إطار ما يُعرف بـ”الحزام الناري”. هذه العمليات العسكرية التي تمت بشكل متسلسل عبر الحدود الجنوبية والبقاعية كانت تأتي في سياق تصعيد إسرائيلي متزايد ضد ما وصفته تل أبيب بتهديدات أمنية مستمرة من جماعات متشددة تنشط في تلك المناطق. لكن ما كان لافتًا للنظر، هو قصف بلدة المنارة في البقاع الغربي، وهي بلدة نادرة الإشارة إليها في السياقات الإسرائيلية، ما جعل هذه العملية أكثر إثارة للانتباه.
المنارة، التي تعد جزءًا من منطقة البقاع الاوسط، هي بلدة ذات أغلبية سنية وتقع على بُعد خمسة كيلومترات تقريبًا عن الطريق الدولي الذي يربط بين دمشق والشام، وهو موقع استراتيجي جدًا بالنظر لقربه من الحدود السورية. ورغم أنها لم تكن موضع اهتمام في الأوقات السابقة من قبل قوات الاحتلال، إلا أن القصف الأخير جاء بمبرر إسرائيلي مفاده أن هناك “منزلًا لحركة حماس” يُعتقد أن نشاطات عسكرية تُمارس داخله، وهو ما شكل ردًا مباشرًا على التصعيدات الأمنية التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة.
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا التبرير الظاهر. إن الإشارة الإسرائيلية إلى بلدة المنارة لا تقتصر فقط على تحديد مكان أو استهداف عنصر عسكري. فالحقيقة تكمن في أن هذا القصف يمثل رسالة استراتيجية تهدف إلى رسم حدود جديدة في إطار المخطط الإسرائيلي لنزع سلاح المليشيات المسلحة المنتشرة في لبنان، خصوصًا في مناطق البقاع، التي تعتبر منطقة استراتيجية تُستَغل أحيانًا كنقطة ارتكاز لعمليات مختلفة.
إسرائيل، التي سبق وأن رسمت ما يُسمى بـ”الخط الأزرق” في جنوب لبنان (الذي يفصل بين الأراضي اللبنانية المحتلة سابقًا والمناطق التي تقع تحت السيطرة اللبنانية)، يبدو أنها تسعى إلى رسم ما يمكن أن يُسمى بـ”الخط البقاعي” في مرحلة ثانية من عملية نزع سلاح المليشيات. ففي الوقت الذي تنفذ فيه عمليات عسكرية في الجنوب ضمن إطار ما يسمى بـ”خطوط نزع السلاح” الذي بدأ في مناطق جنوب الليطاني، فإن منطقة البقاع الغربي لا تحظى، تاريخيًا، بتصنيف مماثل. فتضاريس المنطقة وطبيعتها، إضافة إلى قربها من الحدود السورية، جعلت من غير الممكن تحديد “حدود ثابتة” في إطار استراتيجيات نزع السلاح.
يعد هذا القصف للمنارة بمثابة محاولة من إسرائيل لفرض حدود جديدة في هذه المنطقة الحساسة. وبإشارة واضحة إلى أن هناك محاولة لتوسيع حدود النفوذ الإسرائيلي إلى ما بعد نهر الليطاني، ربما تمهيدًا لعملية تهدف إلى تطويق أي وجود مسلح يشكل تهديدًا لأمنها. فإذا كانت المنطقة الجنوبية قد شهدت عمليات أمنية استباقية تهدف إلى نزع سلاح المليشيات وتحديد الخطوط الفاصلة في منطقة جنوب الليطاني، فإن إسرائيل، عبر هذا القصف، تحاول فرض “حدود جديدة” في منطقة البقاع الغربي، بما يشمل تأكيد هيمنتها على المناطق المتاخمة للحدود.
التوقيت أيضًا يُعتبر ذا دلالة خاصة. فالقصف الذي استهدف المنارة جاء في وقت حساس، حيث من المنتظر عقد اجتماع مهم بين المسؤولين اللبنانيين والمندوبين الدوليين، في إطار آلية متابعة تنفيذ اتفاقيات نزع السلاح التي طُرحت سابقًا في العديد من الاجتماعات الدولية. على الرغم من الجهود التي بذلها لبنان في إطار هذه الاجتماعات، يبدو أن إسرائيل تسعى إلى فرض واقع جديد على الأرض يثبت وجودها العسكري ويضع “خطوطًا” واضحة تحدد من خلالها مناطق النفوذ والوجود العسكري، سواء كان ذلك متعلقًا بتواجد جماعات عسكرية مثل حزب الله أو حتى تنظيمات أخرى مثل حماس التي يتم الإشارة إليها في هذا الهجوم.
ما يثير القلق هو أن هذا النوع من الهجمات العسكرية ليس فقط استهدافًا لعناصر معينة من المجموعات المسلحة، بل يأتي في إطار محاولة لتوسيع نطاق الاستراتيجية الإسرائيلية لتشمل مناطق جديدة في البقاع الأوسط والبقاع الغربي، وهما منطقتان بعيدتان عن نهر الليطاني وضمن الحدود التي تعتبر غير مشمولة في خطط نزع السلاح الإسرائيلية.
ومع اقتراب موعد الاجتماع الدولي المقبل، فإن هذا الهجوم يعكس تحولًا في النهج الإسرائيلي، حيث تحاول تل أبيب وضع نقاط على الخريطة الجغرافية والسياسية لمنطقة البقاع الغربي في إطار خطة طويلة المدى تهدف إلى إنهاء أي تواجد عسكري غير خاضع لسيطرتها. كما أن هذا التحرك الإسرائيلي يأتي في سياق تعزيز الضغوط على لبنان عبر استخدام آليات القصف والتوجيهات العسكرية لتحديد خطوط حمراء في وجه أي نوع من أنشطة المجموعات المسلحة التي تسعى لتطوير قدراتها العسكرية في هذه المناطق.
في النهاية، يُعدّ القصف الإسرائيلي لبلدة المنارة في البقاع الغربي بمثابة خطوة جديدة في لعبة النفوذ الجيوسياسي التي تديرها إسرائيل في لبنان. ومع استمرار التصعيد العسكري في المنطقة، يُتوقع أن تشهد الأيام القادمة تحركات دبلوماسية جديدة، ستضع هذا القصف على طاولة النقاش بين لبنان والمجتمع الدولي في محاولة لتقييم الاستراتيجيات الإسرائيلية وكيفية التعامل معها.



