جوقة الإعلاميين المحللين في لبنان: بين التفسيرات السياسية والتلاعب الإعلامي
جوقة الإعلاميين المحللين في لبنان: بين التفسيرات السياسية والتلاعب الإعلامي

د.خالد العزي – مناشير
باتت جولات الإعلاميين في لبنان تظهر بشكل متكرر في البرامج الحوارية والمنصات الإعلامية، ليس بهدف تقديم محتوى هادف أو تحليل معمق، بل لتعبئة الهواء وإثارة الأجواء السياسية عبر مواجهات تتسم بالتهريج. تُظهر هذه الجولات فراغًا سياسيًا وفكريًا لدى الأطراف المشاركة، حيث غالبًا ما يتم التركيز على التراشق الإعلامي والنقد المتبادل بدلاً من تناول القضايا بشكل موضوعي ومفيد، أو الوصول للاستفادة المالية التي تؤمنها بعض المحطات. بات الظهور الإعلامي ساحة للصراع على “الأنانية”، ليصبح هؤلاء الإعلاميون أنفسهم “مسؤولين قادمين” لفرض سياسات الدولة والشعب.
الهدف الأساسي للظهور الإعلامي
يجب أن يكون الهدف الأساسي للظهور الإعلامي تقديم تحليل متوازن للقضايا والأزمات عبر أحداث آنية، وتفسير هذه الأحداث بطريقة منطقية وواضحة للمشاهدين. لا يهم الطريقة التي يتم بها تناول الموضوع، بل يجب أن يكون التركيز على تفسير الحدث بشكل مهني بعيدًا عن الانحيازات السياسية أو الفكرية. فالمحلل ليس مهمته فرض توجهاته الشخصية، بل تفسير الأحداث بناءً على معطيات دقيقة وموضوعية، بحيث يتمكن من إقناع المشاهدين بالمعلومات التي يقدمها.
التفسير الشخصي والتلاعب بالأفكار
لكن ما يحدث في بعض الجولات الإعلامية هو أن كل شخص يظهر على المنصات يُقدّم نفسه كـ “محلل” أو “مفسر” للأحداث، وهو في الواقع يقدم تفسيرات ضيقة ومتحيزة وفقًا لتوجهاته السياسية الخاصة. يتم الاجتهاد في تقديم تفسيرات خيالية تهدف إلى تلويث أفكار المتابعين، ويقدم نفسه على أنه القادر على الحصول على المعلومات من الأطراف الأساسية وكأنه “هنري كيسنجر” أو “برجنسكي”، صانعي استراتيجيات السياسات للدول. يتم غمر الناس والمشاهدين بالأوهام والمعلومات المغلوطة. هذا النوع من التحليل يضر أكثر مما ينفع، ويغرق المشاهد في دوامة من الفوضى الفكرية.
دور المنصات الإعلامية
الجميع يشير إلى أن المشكلة تكمن في المنصات الإعلامية نفسها، التي تفتح المجال لأي شخص للتحدث وتقديم “معلومات”، سواء كانت مهمة أو غير مهمة. صحيح أن المنصات تُعتبر وسيلة للتعبير عن الرأي وفتح المجال لتعدد وجهات النظر، وهو أمر أساسي في أي بيئة ديمقراطية، إلا أن المشكلة تكمن في اختيار الأشخاص الذين يُسمح لهم بالمشاركة في هذه البرامج. في كثير من الأحيان، يتم اختيار المتجادلين والناشطين الذين لا يمتلكون الخلفية اللازمة أو المعرفة العميقة لمناقشة القضايا بشكل هادف.
الإعلاميون الزجليون وتسلل السياسة إلى كل شيء
لا بد من التوقف عند ظاهرة الإعلاميين الزجليين، الذين أصبحوا يتقافزون بين كل المواضيع بدءًا من الاقتصاد والفضاء وصولًا إلى السياسة والدين. هؤلاء الإعلاميون، الذين يعتقدون أنهم يمتلكون كل الإجابات، يظهرون في كل مناسبة ويقدمون أنفسهم كـ “فقهاء” السياسة، متجاوزين كل الحدود المعرفية والفكرية. يتسللون إلى جميع المواضيع ويظهرون كخبراء في كل شيء، رغم أن أغلبهم لا يملكون التخصص أو العمق في أي من هذه المجالات.
الاستغلال الإعلامي للأزمة السياسية
في العديد من الحالات، يظهر هؤلاء الإعلاميون في منصات الحوار لمجرد السعي إلى تحقيق مصالح شخصية، سواء بالبحث عن شهرة أو محاولات للوصول إلى المناصب السياسية. الكثير منهم يطمحون للترشح في الانتخابات القادمة، ويستخدمون الإعلام كمنصة للترويج لأنفسهم، ما يؤدي إلى خلط بين السياسة والإعلام. هؤلاء الإعلاميون غالبًا ما يتحولون إلى رأس حربة في معارك إعلامية فارغة، تفقد متابعيها بشكل سريع، مما يجعل المشاهدين يقفلون شاشاتهم بحثًا عن محتوى ذي قيمة.
في الختام، بات من الواضح أن الإعلام اللبناني يواجه تحديات كبيرة فيما يتعلق بكيفية تقديم محتوى هادف وموضوعي للمشاهدين. جولات الإعلاميين التي تقتصر على المناكفات والمواجهات السياسية لا تفيد في حل الأزمات أو تقديم تحليل سليم للواقع. بدلًا من تقديم محتوى يسهم في بناء الفكر النقدي لدى المشاهدين، أصبح الإعلام في بعض الحالات منصة للتلاعب بالأفكار ونشر الإشاعات. من الضروري أن يتم إعادة النظر في سياسة اختيار الإعلاميين المشاركين في هذه البرامج، وتوجيه الجهود نحو تقديم محتوى ذو قيمة معرفية حقيقية، يساهم في بناء وعي اجتماعي وسياسي سليم.
اذًا، لابد من الوقوف أمام جولات الإعلاميين الزجليين الذين يتحدثون عن كل شيء، بدءًا من الذهب والفضة مرورًا بالمناخ وصولًا إلى المريخ، حيث يمرون بالثقافة والسياسة والإيديولوجية والدين والقوميات والاثنيات. هؤلاء الإعلاميون الذين يظنون أنهم يعرفون كل شيء، يقدمون أنفسهم كـ “فقهاء” السياسة، في الوقت الذي يسعى فيه كل منهم لتحقيق طموحات انتخابية. ولكن، في النهاية، يتحول هؤلاء الإعلاميون إلى أدوات في معارك إعلامية فارغة، مما يؤدي إلى فقدان المتابعة وإغلاق الشاشات، حيث يصبحون مجرد محطات للهرج والمرج على ألسنة الناس.



