خبر عاجلمقالات

جفول الحكمة وذبول الأرواح في عصر الانكسار

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

جفول الحكمة وذبول الأرواح في عصر الانكسار


كتب رئيس تيار الفكر الشعبي الدكتور فواز فرحات

في دهور الانبعاث الأولى حين كانت الأرواح تتنفس عبير القداسة وتتراقص ذرات النور في محاريب الوجود وكان الزمن ينساب كنهر من الذهب المنصهر في أوعية الأبدية كان الغلام يسير إلى معبد العلم وقدماه تقبل تراب الدروب المقدسة وروحه ترتجف من هيبة اللقاء المرتقب وإذا ما وقع بصره على جلال المربي انكسرت في قلبه أمواج الكبرياء وغاصت نفسه في أعماق التسليم فصار الأدب عنده عبادة باطنة وشعيرة ظاهرة وأضحى التبجيل منبعا لا ينضب من التبجيل وكان للمعلم هالة كهالة الأولياء وكأن في كفيه أسرار الكون ومقاليد المعارف الخفية يعلم التلميذ أن الهيبة مصباح يضيء دروب الحكمة وأن الأدب سحابة تفيض بأمطار المعرفة فكان يجل المربي إجلالا لا يفسره سوى الحضور المقدس لسلطان الوالدين تحول الأب إلى طود شامخ من الصلابة والأم إلى ظل وارف من القداسة وكأنهما حارسان يقفان على أبواب العالم يمنعان انهياره فكان الناشئ يرتشف القيم مع أنفاسه الأولى مع همسات الليالي العذراء وهناك في معين الفطرة الصافي تفتحت براعم المفاهيم نضرة خالدة وتدفقت قوافل الأخلاق عبر الأجيال حتى حسبها الخلق من ثوابت الوجود.
أما في هذا العصر المنكوب عصر الوحشة الجليدية والمرايا المحطمة تختفي شمس الأرواح خلف سحب الضياع ويتوه قمر الذاكرة الحزين بين أطلال الماضي المجيد وصار التلميذ شبحا أعزل يهيم في متاهات مجهولة بلا دليل بلا منارة بلا جذور راسخة في حضرة الأستاذ تتناثر الكلمات الزائفة وتسقط أقنعة الزيف الحديثة صار الاحترام مسرحية والعلاقة صدى ضائعا في عاصفة القيم المنهارة تسرب الضياع إلى أعماق البيوت صار الأب يرتعش في الظلمات والأم تلهث من عياء الحياة وكأن القيم هاجرت إلى مثواها الأخير في مقابر النسيان وضاعت التربية لأن الوجود بأسره انزوى خلف شاشات الأوهام وأصوات الدعايات ودوامة السرعة المحمومة.
الحقيقة العارية بين الخرائب أن مهد الطفولة هجر أحضان البيت الدافئة صار العالم يربي والآلة تلقن والروح عطشى تهيم بلا مأوى ليست المحنة في البرامج وليست الكارثة في المربي وحده بل في انهيار المعنى وموت الجذر صار الاجتهاد غريب الوجه والصبر منبوذا والنظر العميق لا يجد مرآة صادقة ينعكس عليها لم يعد التلميذ يرى في المعلم معلما بل يرى فيه عتبة باهتة في طريق مظلم بلا نجوم الحلم صار بضاعة والإرادة تسرح في أسواق الأوهام،لقد تبدل الزمان لأن القيمة التي كانت تحرس الروح صارت غريبة عن الأرواح وصار الفضول الهادر يخدر العقول حتى أمسى الاحترام سحابا بلا مطر إنه عصر بلا فرسان بلا أنبياء للمعنى صار الحضور تنكرا والغياب سبيلا جديدا للوجود، أبحث عن السر في قلب التربية حين تهجر البيوت مواسم الحب والقوامة وتهدر الأرواح قربانا للحداثة الضائعة هناك فقط ينهار المعبد تسقط الأرواح وتبرد الشمس لقد غرقنا في السطحية فنبتت أشواك الوحشة بين جدران المدارس وفي القلوب الجديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى