خبر عاجلسياسةمقالات

بين “الحدث” و“عكاظ” : ازدواجية الرسالة السعودية وعودة الحريري كاختبار قرار

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

بين “الحدث” و“عكاظ” : ازدواجية الرسالة السعودية وعودة الحريري كاختبار قرار

أسامة القادري
لم تكن ذكرى 14 شباط محطة عاطفية فحسب، بل تحوّلت إلى اختبار سياسي متعدد الطبقات، فقبيل وصول الرئيس سعد الحريري إلى بيروت لإحياء ذكرى استشهاد والده رفيق الحريري، بدا أن المعركة الحقيقية تدور في فضاء الرسائل، لا في الساحات.
التسريب الذي بثّته قناة الحدث عن “لقاء” مزعوم بين أمين عام “تيار المستقبل” أحمد الحريري وقياديين من حزب الله لم يكن خبراً عادياً توقيته عشية الذكرى، ومضمونه الذي يوحي بتحالف انتخابي، حملا رسالة سياسية واضحة: إحراج الحريري داخل بيئته، أو على الأقل وضع سقف مسبق لعودته. ورغم النفي، أُعيد تدوير الخبر، بما يوحي أن المقصود لم يكن المعلومة بقدر ما كان الأثر.
في المقابل، نشرت صحيفة عكاظ مقالاً أكثر هدوءاً، أقرّ بأن غياب مرجعية سنّية وازنة منذ تعليق عمل “تيار المستقبل” أحدث خللاً في التوازن الوطني في لبنان. المقال لم يكن دفاعاً مباشراً عن الحريري، لكنه تضمّن اعترافاً ضمنياً بدوره كعنصر توازن. غير أن حذفه بعد ساعات أعاد إنتاج الالتباس: هل كان المقال تعبيراً عن مقاربة داخلية لم يكتمل قرارها؟ أم أن النشر نفسه لم يكن منسقاً؟ في وقت كانت جوقة “الحردانين” المفصولين من التيار تشكك بالحضور وتصف المؤيدين بالقطعان، وهم أنفسهم هؤلاء الحردانين امتثلوا لأوامر أبو عمر باعترافه واعترافهم، انهم تلقوا الأوامر باسم الديوان الملكي، والذي كان تأثيره كبير في ارساء ما تريده المملكة عبره كموقع رمزي أو تأثير مفترض داخل دوائر القرار. ليقال فيما بعد انه “امير وهمي”، ما يعني أن تداول هذا اللقب بحد ذاته يعكس قراءة لبنانية تعتبر أن الرسائل الإعلامية لا تنفصل عن حسابات الديوان. وعندما يُنظر إلى “الحدث” بوصفها محطة تتحدث بلسان الديوان، و“عكاظ” باعتبارها تصدر عن الديوان نفسه، يصبح التباين بينهما أكثر من مجرد اختلاف مهني، يتحول إلى مؤشر على ازدواجية في القرار السعودي حول العلاقة مع سعد الحريري.
فلم يقتصر الامر عند حد الرسائل الإعلامية لتعمل اتصالات على تحذير كل من يزور بيت الوسط ولقاء سعد الحريري وتأنيب من التقاه بإسلوب فض يعيد الى الاذهان اسلوب عنجر ورستم غزالي زمن الوصاية السورية..
 الارتباك لا يمكن فصله عن المسار الذي بدأ عام 2017، حين دخلت العلاقة بين الرياض والحريري مرحلة شخصية الطابع انتهت بانكفائه. لكن التحولات الإقليمية، ولا سيما مسار التهدئة السعودية – الإيرانية، أعادت صياغة الأولويات، ولبنان لم يعد ساحة اشتباك مباشر، بل ملفاً يُدار ببرودة نسبية ضمن رؤية أوسع
 الارتباك لا يمكن فصله عن المسار الذي بدأ عام 2017، حين دخلت العلاقة بين الرياض والحريري مرحلة شخصية الطابع انتهت بانكفائه. لكن التحولات الإقليمية، ولا سيما مسار التهدئة السعودية – الإيرانية، أعادت صياغة الأولويات، ولبنان لم يعد ساحة اشتباك مباشر، بل ملفاً يُدار ببرودة نسبية ضمن رؤية أوسع.
من هنا، تبدو عودة الحريري معضلة قرار لا معضلة شخص، وان الفراغ السنّي في لبنان حقيقة سياسية، والحشد في 14 شباط أكد أن الرجل لا يزال يمتلك حيثية شعبية يصعب تجاوزها. غير أن إعادة اعتماده كمرجعية كاملة تعني العودة إلى صيغة لم تعد الرياض مقتنعة بها بالكامل، في حين أن ترك الساحة مفتوحة قد يفاقم التشظي ويضعف التوازن الذي يقوم عليه النظام اللبناني.
فبين “عاجل” يوحي بتحالفات مريبة، ومقال يعترف بفراغ مرجعي ثم يُحذف، و وشوشات “أبو عمر” كرمز لمرجعية القرار، يتضح أن الرسالة السعودية لم تُحسم بعد. وكأنها تقول إنها لا زالت في مرحلة إعادة تقييم، اختبار نيات، وقياس أحجام، وترقّب لاتضاح شكل التسويات الإقليمية، وربما إيجاد وسائل جديدة لبث مزيد من الرسائل الى حين 2030.
في الخلاصة، عودة سعد الحريري ليست حدثاً محلياً فحسب، بل مرآة لتحوّل أوسع في طريقة تعاطي السعودية مع لبنان: من الانخراط المباشر، إلى الإدارة الحذرة، وربما إلى إعادة تموضع لا تزال ملامحه قيد التشكل، والسؤال اليوم ليس إن كان الحريري سيعود، بل أي رسالة سعودية ستسبق عودته وتحدد سقفها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى