بحر الصداقة: تقارب مصري – تركي جديد يعيد رسم خرائط النفوذ في شرق المتوسط

اسامة القادري / مناشير
شهدت منطقة شرق البحر المتوسط خلال السنوات الماضية توترًا متصاعدًا نتيجة التنافس على الثروات الطبيعية، وصراع المصالح بين القوى الإقليمية والدولية، لكن ظهور تدريبات عسكرية مشتركة بين مصر وتركيا، مثل مناورات “بحر الصداقة”، يمثل نقطة تحوّل في العلاقات الثنائية، ويعكس توجهًا استراتيجيًا جديدًا قد يعيد صياغة معادلات القوة في الإقليم.
العلاقات بين القاهرة وأنقرة مرت بمرحلة طويلة من الجمود السياسي والدبلوماسي، خاصة بعد عام 2013. هذا الجمود انعكس على تنسيق الملفات الأمنية والعسكرية في الإقليم، لكن خلال العامين الماضيين، بدأت مؤشرات التقارب تظهر بشكل تدريجي، حتى وصلت إلى ذروتها مع تنظيم مناورات عسكرية بحرية بين القوات المسلحة المصرية ونظيرتها التركية.
هذه المناورات لم تأتِ في سياق تقني فقط، بل تحمل دلالات سياسية عميقة، تعكس إرادة مشتركة لإعادة بناء الثقة، وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين.
تُعد مناورات “بحر الصداقة” أكثر من مجرد تدريب عسكري؛ بل لها دلالات استراتيجية لأنها تمثل تحولًا في الرؤية الاستراتيجية لكلا الطرفين:
تعزيز التفاهم الأمني والعسكري: التدريب يعكس استعداد البلدين لتنسيق المواقف في الملفات الإقليمية الحساسة.
رسالة توازن وردع إقليمي: التعاون بين دولتين بحريتين كبيرتين يبعث برسائل واضحة إلى أطراف إقليمية أخرى، خاصة في ظل التنافس على الغاز وملف الحدود البحرية.
بناء شراكة عسكرية محتملة: قد تكون هذه المناورات مقدمة لتأسيس شراكة دائمة في مجالات الأمن البحري ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية.
تحركات مصر وتركيا لم تأت من فراغ انما تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة سباقًا على النفوذ البحري، فهذا التقارب قد يُعيد ترتيب الأولويات الإقليمية، ويؤدي إلى إعادة رسم التحالفات، لا سيما في ظل وجود محاور متنافسة تضم كلًا من اليونان، قبرص، إسرائيل، وفرنسا.
ولا شك ان هذا التقارب ينعكس على الملف الليبي ايجاباً بما ينقله من التنافس إلى التفاهم، حيث لعبت كل من مصر وتركيا أدوارًا متعارضة في ليبيا خلال العقد الأخير. لكن هذا التقارب الجديد قد يفتح المجال لصياغة تفاهمات مشتركة تؤمن مصالح البلدين وتدعم استقرار ليبيا.
لذا فإن التحول في الموقف المصري من تركيا قد يسهم في إعادة دمج أنقرة في الإطار العربي، لا سيما مع تحسن علاقاتها مع السعودية والإمارات وقطر، ما يعزز فرص تشكل محور “توازن إقليمي” جديد، ويعكس بالتالي تحسّن العلاقة بين مصر وسوريا من خلال علاقة انقرة بدمشق.
ترحب واشنطن غالبًا بأي تقارب بين شركائها في المنطقة، خاصة إذا أسهم في تقليل التوترات الإقليمية. وقد ترى في هذا التعاون دعمًا لاستراتيجية “احتواء التصعيد” في شرق المتوسط.
فيما موسكو ستراقب هذا التحول بعين الحذر، خاصة وأنه قد يؤثر على توازناتها في ليبيا وسوريا وشرق المتوسط، حيث تملك مصالح عسكرية وبحرية مباشرة.
اما الدول الأوروبية، خاصة اليونان وقبرص وفرنسا، قد تنظر بتوجس إلى التقارب المصري – التركي، لأنه قد يقلل من قدرتهم على فرض شروطهم في قضايا الحدود البحرية والطاقة.
إلى أين يتجه هذا التقارب؟
إذا استمر نسق التعاون الحالي، يمكن توقع سيناريوهات متعددة، من بينها:
توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي أو أمني ثنائية.
مشاركة مشتركة في عمليات حفظ السلام أو تأمين الممرات البحرية.
تعاون في الملفات الاقتصادية، خصوصًا في قطاع الطاقة والبنية التحتية.
لكن هذا المسار يبقى مشروطًا بعدة عوامل، أبرزها استمرار الإرادة السياسية، وإيجاد أرضية مشتركة لحل الخلافات التاريخية، وتنسيق المواقف في الملفات الإقليمية الحساسة.
تمثل مناورات “بحر الصداقة” علامة فارقة في مسار العلاقات المصرية – التركية. إنها خطوة جريئة نحو تجاوز مرحلة من التوترات والصراعات، والانخراط في مرحلة جديدة من الشراكة الواقعية المبنية على المصالح المتبادلة. ومع أن الطريق لا يزال طويلًا، إلا أن مؤشرات التقارب تعطي أملًا في إمكانية تشكيل محور استقرار إقليمي جديد في منطقة تموج بالتحولات والصراعات.
زر الذهاب إلى الأعلى