خبر عاجلسياسةمقالات

القوات اللبنانية: صعوبة المصالحة مع الذات – أحمد جابر

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365
القوات اللبنانية: صعوبة المصالحة مع الذات – أحمد جابر
كتب أحمد جابر في مناشير
أيها اللبنانيون، قالها رئيس القوات اللبنانية وهو يخاطب المحتشدين في ذكرى الشهداء. المخاطبة الجمعية صارت ملازمة لكل قيادة، أو زعامة، ترفع حجمها إلى حجم “الدولة”، فتعطي لذاتها الحق في إبداء الراي في القضايا العامة الكبرى، وتوحي بأنها تنتدب نفسها لتقدم صفوف الذين يبادرون إلى معالجة هذه القضايا. لكن “الرفيق القائد”، سمير جعجع، ظلَّ خاصاً في جوانب كثيرة، أي ظلَّ قواتياً حزبياً، وظلَّ فريقاً مسيحياً، على الرغم من استهلاله باللبنانية الوطنية العامة.
مصالحة الذاكرة:
قبل الخوض فيما أدلى به رئيس القوات، تقتضي الإشارة الهامة إلى أن المناخ العام الذي ما زال يحيط بأجواء القوات اللبنانية، هو مناخ عدم المصالحة الناجزة مع الذاكرة. كيف بدا ذلك؟ لقد غابت المصالحة عن خطاب الذكرى، عندما ذهب الخطيب إلى ذكر وتعداد البطولات والمواجهات وميادينها، فلقد تبيَّن أن الشهداء قد سقطوا في مواجهة السوري والفلسطيني وخصوم السياسة في ذلك الزمن، في الأحزاب اللبنانية، وعليه، ذهب الخطيب تاريخ آخر للمقاومة اللبنانية، وإلى مواقع مواجهة أخرى خاضتها، فكان العام 1975 تاريخاً مقاوماً، وكانت عين الرمانة والأشرفية والجبل، ميادين القتال… هكذا، وفي معرض التنافس على المقاومة، وعلى تاريخها شُطب الاحتلال الإسرائيلي للأرض اللبنانية، وألغيت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، واستبعدت المقاومة الإسلامية، وأسقطت الأرض اللبنانية المحتلة من التأريخ الداخلي، لسبب جوهري وأصلي هو أن الذاكرة القواتية ما زالت مقيمة على عدم “مصالحة” مع خصومها الذين سبقوا تأسيسها، وسبقوا إسمها، وما زالت تنظر بعين واحدة إلى الإشكالية الكيانية اللبنانية التي ما زالت ماثلة في سؤال: ما هي حقيقة الهوية اللبنانية في أبعادها المختلفة؟
لقد كان حرياً “بالسيد سمير” أن يرسل إشارة مصالحة، أو إشارة تفهُّم، من خلال جمع شهداء كل اللبنانيين في خانة واحدة، هي خانة الدفاع عن لبنان الذي ارتضاه كل منهم لذاته، وعمل من أجله بقناعة وباندفاع وتفانٍ وصل إلى ذروته… الاستشهاد، أي لبنان اراده هؤلاء؟ هنا “ديار” النقاش؟ كم أخطأ كل طرف وكم أصاب؟ هنا مدار المراجعة، وما سوى ذلك، لا يعدو كونه تحريكاً لرماد ما زال جمره على توقد، وهذا سلوك لا يرتقي إلى مصاف “أيها اللبنانيون”، بل إنه درب لا يوصل إلا إلى “أيها المحازبون”، في حدِّه الأدنى، وأيها المحبّذون من المسيحيين، في حدّه الأعلى، والحدّان ما زالا عاجزين، الآن كما في الماضي، عن بلوغ الحدود اللبنانية الوطنية العامة.
مصالحة الحاضر:
استقى رئيس القوات اللبنانية مادة مناسبة الاحتفال بذكرى الشهداء، من مادة الأمس القريب، ومن مادة الحاضر المعيش، وهو إذ وصف فأصاب في جوانب من مواضيع وصفه، فإن الدقة التحليلية والتفسيرية لم تحالفه في نقاط كثيرة من المسائل التي تطرق إليها. لقد كان “الحكيم” واضحاً في تعداد مثالب تفاهم مارمخايل، بين حزب الله والتيار “العوني”، وكان مصيباً في وصف الآثار السلبية التي نجمت عنه، فأصابت مسار الانتظام الداخلي، بإصابات تكاد تكون قاتلة، هذا صحيح، لكن الصحيح المسكوت عنه، هو البحث عن جواب لسؤال: لماذا جرى “دفع” العماد عون إلى حضن حزب الله؟ دفع، هي الكلمة المناسبة لقراءة سياق ما بعد استشهاد رفيق الحريري، ولما بعد نزول عشرات الآلاف إلى الشوارع، ولما بعد انسحاب الجيش السوري، ولما بعد تشكّل “جسم” قوى 14 آذار، ولما بعد النطق الذي أدلى به قادتها، ولمجمل سلوكاتهم التي قاربت سلوكات المنتصرين، فبات القادة يوجهون “مذكرات الجلب” إلى حزب الله، وإلى العونية، مما لم يكن يسمح به واقع ميزان القوى الداخلي الحقيقي. هذه مسألة تستحق المراجعة، فالتمييز مطلوب بين “وهم ثورة الأرز”، وواقعها، والتصويب على أداء قيادة 14 آذار ضروري، فمن دون ذلك لا يمكن تفسير مجمل السياق الذي جعل تفاهم مارمخايل ممكناً بين خصمي الأمس وحليفي اليوم. بإيجاز: لماذا نجح حزب الله في استقطاب العماد عون وتياره؟ ولماذا فشل “ثوار الأرز” في استيعابه؟
تبرئة الذات:
لم ينل اتفاق معراب، الموقَّع بين القوات اللبنانية والعماد عون، ما ناله تفاهم مارمخايل من نقد. كان على “الرفيق” سمير جعجع أن يكون شفافاً في نقد ذاته، وكان عليه أن يكون جريئاً في إعلان خطأ حساباته، وكان عليه أن يبقى على جادة السياسة في نقاش ما اعتبره نجاحاً سياسياً، فلا يذهب مذاهب تبريرية في نقاش ما اعتبره إنجازاً، ولا يلجأ إلى عبارات تبريرية مفارقة للسياسة في جوهرها. من قبيل الخروج من الكلام السياسي. قول الرئيس القواتي، إن “إتفاق معراب هو في منطلقاته الأولية مصالحة وجدانية تاريخية أخلاقية، وأن الطرف الآخر أراده مصلحة سياسية آنية”!! هذا يعني لجوء “الرئيس” إلى عبارة “لو كنت أعلم”، التي ساقها سواه، فهل يستقيم هكذا تبرير في معرض الحديث عن شؤون السياسة وشجونها؟ أبسط ما يقال في قول “الحكيم”، أن التيار العوني تصرف بصواب سياسي، أي حسب مصلحته، وأن القوات اكتفت “بأخلاقها”، عندما كان عليها أن تبقى على جادة الحسابات السياسية. الآن، وفي حمأة الأزمة اللبنانية الطاحنة، لن يكون مقبولاً من القوات اللبنانية أقل من القول: لقد أخطأنا في العمل من أجل تأمين “الرضى الرئاسي” للعماد عون، وأخطأنا عندما افترضنا إمكانية العمل معه على سوية مساواة واحدة، من ضمن “ثنائية مسيحية” تتشبه بالثنائية الشيعية، في غير مكان، وبالتأسيس على منطلقات مغايرة. لا يلدغ السياسي من جحر مرتين، لكن سمير جعجع دخل ذات الجحر، ومع ذات الخصم، من دون احتراز، ومن دون استخلاص لعبر الأمس القريب الماضية، فكانت النتائج ما يعيشه اللبنانيون اليوم، من سوء عميم.
لهجة كيانية:
لقد صوَّب الدكتور جعجع على جملة من المسائل الكيانية، فالسيادة المجتزأة، أو المشاركة في السيادة، انتقاص كياني، وليست مجرد انتقاص سلطوي، أو الدولة المدنية التي تستبطن الغلبة العددية، مسألة كيانية أخرى، إذ في خلفيتها يكمن سؤال أي لبنان نريد، مثلما يكمن جوابه. وسياسة المحاور التي جعلت لبنان ساحة صراعات وتجاذب وانحيازات، هي الأخرى مسألة استقرار كياني وجودي، وشواهد الانفجارات الأهلية، على الانحيازات السياسية، ما زالت ماثلة في الذاكرة، وحاضرة على مرمى الإبصار، أما التغيير الذي لم تستطعه حركة 17 تشرين الأول، فبوابة الدخول إليه الانتخابات النيابية المبكرة، التي من شأن نتائجها السماح بإعادة تكوين السلطة السياسية، ومن ثمَّ السير قدماً نحو إصلاح وطني داخلي شامل!!
من الصواب التطرق إلى كل المسائل التي تشغل بال اللبنانيين، وهذا ما فعله رئيس القوات، ومن الصائب أيضاً تبيان المحاذير المترتبة على كل خيار، وتبيان واقعيته من عدمها، وهذا مما لم يُشر إليه “الرئيس” في كلماته. إن من شأن الإشارة تقييد صاحبها باستكمال كامل خطاب إشاراته، وهذا قد لا يكون موجوداً في ذهن “القوات”، أو قد يكون الإفصاح عنه مقصياً آنياً، لضرورات سياسية. بناءً عليه، تصير إثارة المسائل، والتعليق عليها سريعاً، “ربط نزاع” مع الخائضين فيها، وتنبيه إلى من يعنيهم الأمر، من كل الأطراف اللبنانية، أن الطريق إلى اختطاف “السيرة اللبنانية” غير معبد، وأن هدف تغيير وجه لبنان دونه “الأهوال”، وإذا جاز هذا الافتراض، تصبح وظيفة الخطاب الاحتفالي القواتي، وظيفة استنهاضية، وتؤدي مهمة تنبيهية، وتتمسك بلغة تحذيرية، فحين تكون “بكركي بتحكي صح” حسب كلمة “القائد”، يصير مطلوباً من المرجعيات الأخرى أن “تحكي صح”، وعندما يقرع فريق لبناني جرس الإنذار، يتوجب على الآخرين سماع دقاته، ومحاولة فهم مغزاها.
القوات اللبنانية دقَّت الجرس… من الواجب سماع الرنين، ومن الأوجب تفسير دعوة القارعين، ومن الضروري نقاش ما فات من ظاهر الكلام، أو ما ظلَّ ملقيّاً في ظلال الصمت. هذا نقاشٌ يستطيعه من أفلت من “صحيح” الطائفيات، ويحرص على استنبات صحيح آخر، من مجموع الصحيح الرائج، ومن جملة الأخطاء المتداولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى