القضاء الفرنسي يفتح تحقيقاً بتهم فساد وتبييض أموال ضد ميقاتي

رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، بيروت 15 أكتوبر 2024 (أنور عمرو/فرانس برس)
مناشير
قررت النيابة الوطنية المالية في باريس فتح تحقيق أولي بحق رئيس الوزراء اللبناني الأسبق نجيب ميقاتي، على أساس شكوى قُدّمت في إبريل/نيسان 2024 من جمعيات مكافحة الفساد، وفق ما كشفت صحيفة “لوريان لوجور” الفرنسية عن مصادر مقرّبة من الملف. وقدّمت الجمعية الفرنسية شيربا وتجمّع ضحايا الممارسات الاحتيالية والإجرامية في لبنان، الذي يضم مودعين متضررين من الحجز غير القانوني على ودائعهم، هذه الشكوى بتهم “تبييض أموال” وكذا “إخفاء”، و”تشكيل عصابة أشرار” ضد ميقاتي وشقيقه طه وعدة أفراد من عائلتهم، وفق ما تذكر الصحيفة الفرنسية.
وكان ميقاتي قد دافع عن نفسه في بيان، قائلاً إن “أصل ثروتي العائلية شفاف بالكامل وشرعي”، مضيفاً أنه “تصرف دائماً ضمن الاحترام الصارم للقوانين”. بعد عام، قدّم المدّعون مكمّلاً للمعلومات إلى النيابة، يصف بمزيد من التفصيل الظروف المزعومة لاقتناء عائلة ميقاتي لثروتها في فرنسا والخارج، أحياناً بمساعدة وسطاء، وهو ما قد يشكّل مخالفات تبرر الملاحقة في فرنسا.
واعتُبرت هذه العناصر في نهاية المطاف “كافية لتجاوز عتبة القرائن وتبرير فتح تحقيق بخصوص مخالفات شديدة الخطورة، ولا سيما في مجال التبييض”، بحسب ما قال في مقابلة سريعة مع “لوريان لوجور” المحامي ومؤسس “شيربا”، وليام بوردون.
تذكر الصحيفة أن من بين الأصول التي أحصاها المدّعون، عقارات في فرنسا، ولا سيما في باريس والريفييرا الفرنسية، وكذلك في موناكو وسان-جان-كاب-فيرا، باسم ميقاتي وأقاربه؛ استثماراً في دار فاسونابل؛ يختين قُدّرت قيمتهما بـ100 و125 مليون دولار، عُزي الأول إلى نجيب ميقاتي، والثاني إلى طه ميقاتي؛ إضافة إلى طائرتين خاصتين.
شبهات حول دخول بنك عوده
تشير مصادر مقرّبة من جمعيات مكافحة الفساد لـ”لوريان لوجور” إلى سلسلة من الحالات التي يمكن أن تبرر الشبهات حول إثراء غير مشروع في ما يتعلق باقتناء جزء من هذه الثروة. من بينها، ظروف دخول الأخوين ميقاتي إلى رأسمال بنك عوده في 2010 لتمويل شراء حوالى 11% من رأس المال (حصة ارتفعت لاحقًا إلى 14%)، استفاد المليارديران من 300 مليون دولار قروضاً منحها لهما المصرف نفسه.
يقول أحد القانونيين اللبنانيين المتابعين للقضية: “يمنع قانون التجارة حيازة أكثر من 5% من رأس المال من طريق قروض تمنحها الشركة نفسها أو تضمنها”، فيما يذكر مصدر قانوني آخر أن “قانون النقد والتسليف يقيّد بدقة القروض للمساهمين ويمنع رهن أسهم مُقتناة بواسطة قرض”، مشيراً إلى أن تعميمًا لمصرف لبنان يمنع البنك من منح قرض مخصص لشراء أسهمه الخاصة.
وكانت العملية قد استفادت من معالجة خاصة من قبل مصرف لبنان، الذي كان يرأسه آنذاك رياض سلامة، إذ لم يدمج حصص الشقيقين في كيان واحد، بل اعتبرهما كيانين منفصلين، ما سمح بالالتفاف على السقوف والنسب التنظيمية. وقد أكد مصدر مصرفي مرتبط بهذه العملية، عند التواصل معه، أن هذه الأخيرة “تمت وفق القوانين والأنظمة المرعية، وأن مصرف لبنان أشرف على كامل العملية بما يتوافق مع قانون النقد والتسليف”.
ويضيف المصدر القانوني: “إنها قضية قديمة، سبق للإعلام المحلي أن تناولها بالتفصيل، وقد تبيّن أنه لا شبهة فيها”. وقبل تقاعدها، كانت مدعية جبل لبنان القاضية غادة عون قد طلبت فتح تحقيق جديد وملاحقة في لبنان بحق رياض سلامة ونجيب ميقاتي وشقيقه بخصوص هذه العملية.
بصورة أوسع، يشير المدّعون إلى وقائع تعود إلى أصل تراكم ثروة العائلة، معتبرين أن القضاء يجب أن ينظر في منح امتيازات غير قانونية محتملة وفي إساءات استعمال للوظيفة، بالنظر إلى الحقائب الوزارية العديدة والدور السياسي لنجيب ميقاتي.
ثروة الاتصالات والاتهامات القديمة
تذكر الصحيفة أنه عام 1994 مُنحت شركتا الاتصالات ليبانسل وسيليس، وكان نجيب وطه ميقاتي من مساهميهما المقرّبين من دمشق، رخصاً عبر عقود BOT لعشر سنوات. وبفضل موقعهما شبه الاحتكاري، وُجهت إليهما بعد خمس سنوات تهم بالتصريح الناقص، ما حرم الخزينة مئات ملايين الدولارات، ودفع الحكومة إلى فرض غرامة مجمّعة قدرها 600 مليون دولار، عارضتها الشركتان.
وبفعل تدخل الرئيس ورئيس الوزراء حينها، إميل لحود ورفيق الحريري، وُقِّع اتفاق ينص على أن تُحال هذه الغرامات على تحكيم دولي، فيما كان على الحكومة اللبنانية أن تدفع تعويضاً يتجاوز 100 مليون دولار. وتحوم شبهات مماثلة حول منح إحدى شركتي الاتصالات في سورية “إنفستكوم”، في بداية الألفية، رخصة من قبل نظام بشار الأسد.
من جهة أخرى، وفي سياق تحقيقات أخرى، طلب القضاء في ليختنشتاين في يونيو/حزيران 2022 المساعدة القضائية من لبنان ضمن إطار تحقيق بتبييض الأموال يستهدف رياض سلامة. وأشار فيه إلى اتفاق مؤرخ في يناير/كانون الثاني 2016 بين شركة يملكها سلامة في سويسرا، وأخرى مرتبطة بميقاتي (M1)؛ وبموجبه، حوّل طه ميقاتي في آب 2016، 14 مليون دولار إلى حساب شركة مسجلة في ليختنشتاين وتملك حساباً في سويسرا.
ويشير المدّعون إلى اللجوء إلى شركات وهمية وملاذات ضريبية واستثمارات في قطاعات غير منظّمة في بلدان نزاع كوسائل محتملة لتبييض الأموال. وبعد تسريبات “أوراق بنما” (2016) و”أوراق باندورا” (2021) بشأن استخدام شركة استثمار في بنما لشراء عقار في موناكو، كان ميقاتي قد دافع عن نفسه نافيًا أي احتيال.
ولم تتمكن “لوريان لوجور” من الاتصال فوراً برئيس الوزراء الأسبق، غير أن أحد مقرّبيه ندد بـ”حملة منظمة ضده”. وأضاف: إنها عملية تشويه وتضليل، مهددًا برفع دعاوى في لبنان والخارج ضد من يعتبرهم وراء هذه الحملة الخبيثة. وأكد أن لا العائلة ولا مجموعة شركاتها قد أُدينت بأي قضية، في لبنان أو خارجه، وهو ما يثبت احترامها للقوانين ولمبادئها الأخلاقية العالية.
في فبراير/شباط 2022، أصدر قاضي التحقيق الأول في بيروت شربل أبو سمرا قراراً بمنع المحاكمة في قضية ما يسمى “القروض المدعومة” لمصرف لبنان، التي كانت القاضية غادة عون قد ادّعت فيها على نجيب ميقاتي وإخوته ماهر وطه. واعتبر القاضي أن هذه الوقائع سقطت بمرور الزمن، بتفسير أثار اعتراض جمعيات عدة، منها “المفكرة القانونية”. وفي آب 2023، أسقطت محكمة موناكو أيضًا الملاحقات بتهمة “الإثراء غير المشروع” و”التبييض”، لعدم كفاية الأدلة.



