خبر عاجلسياسة

العدوان الإسر/ائيلي على قطر: كيف تحول إلى فرصة تفاوضية بيد إيرا.ن؟

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

العدوان الإسر/ائيلي على قطر: كيف تحول إلى فرصة تفاوضية بيد إيرا.ن؟

كتب المحلل السياسي د. خالد العزي في مناشير

في وقتٍ تعصف فيه الأزمات بالمنطقة، وتزداد التوترات بين إسرائيل والدول الخليجية، جاءت الضربة الإسرائيلية على الأراضي القطرية كحدث مفصلي، لم يكن مجرد عمل عسكري، بل حمل في طياته تداعيات إقليمية ودولية، انعكست على المشهد النووي الإيراني، وسلطت الضوء على التباينات داخل المعسكر الغربي نفسه.
فبينما كانت الطائرات الإسرائيلية تخترق الأجواء الخليجية وتقصف أهدافًا في قطر، كانت الدبلوماسية الإيرانية تتحرك على خط موازٍ، بهدوء محسوب. في تلك اللحظة، كان وزير الخارجية الإيراني يحطّ رحاله في مصر، في زيارة تحمل أبعادًا أكثر من كونها بروتوكولية. ففي الكواليس، وبجهود مصرية نشطة، نجحت الوساطة في إقناع طهران بعقد اتفاق سري مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يسمح بعودة المفتشين الدوليين إلى منشآتها النووية، بما في ذلك تلك التي تضررت بفعل الهجمات الإسرائيلية والأمريكية.
اجتماع القاهرة: اتفاق سري وتفاهم جديد
وجاء الإعلان عن هذا التفاهم عقب اجتماع ثلاثي في القاهرة بتاريخ 9 أيلول الحالي، والذي جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره الإيراني عباس عراقجي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي. وأعلن عبد العاطي أن إيران والوكالة التابعة للأمم المتحدة توصلتا إلى تفاهم بشأن آلية التواصل في ظل الظروف المستجدة، عقب الهجمات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة على منشآت نووية إيرانية.
ورغم أن تفاصيل الاتفاق لم تُعلن رسميًا، إلا أن مضمونه يشير إلى موافقة إيران على استئناف أعمال الرقابة الدولية في جميع منشآتها النووية، وهو ما يمثل أحد الشروط الأساسية التي وضعتها دول أوروبا الثلاث — ألمانيا وبريطانيا وفرنسا — لتأجيل فرض عقوبات إضافية على إيران لمدة ستة أشهر.
لكن الاتفاق مع الوكالة الذرية لم يكن الشرط الوحيد. إذ طالبت الدول الأوروبية أيضًا بتقديم تقرير شامل عن كميات اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والتي تبلغ نحو 404 كغم، إضافة إلى استئناف المفاوضات حول اتفاق نووي جديد مع الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن إيران لم تلبِّ بعد الشرطين الآخرين بشكل واضح، إلا أن موافقتها على استئناف الرقابة أعطتها ورقة قوية في مواجهة الضغوط الغربية.
تحالفات إيران ومساعي كسب الوقت
وفي هذا السياق، أوضح رافائيل غروسي، مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن الاتفاق الأخير سيضمن “رقابة جديدة أكثر شفافية”، إلا أن تطبيقه سيخضع لنقاشات لاحقة بين الطرفين. أما داخل إيران، فقد طمأن كبير المفاوضين الإيرانيين عباس عراقجي الداخل الإيراني بأن الاتفاق لا يتعارض مع القانون الذي تم سنه بعد الهجمات، والذي يقيّد التعاون مع الوكالة، بحجة تسريبها معلومات إلى إسرائيل. وأكد أن الاتفاق الجديد خضع لمصادقة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
لكن الوقت ليس في صالح أحد. فالمهلة التي منحتها الدول الأوروبية تنتهي في 18 تشرين الأول/أكتوبر، وقد بدأت فعليًا في تفعيل آلية العقوبات عبر الأمم المتحدة. وفي هذا الإطار، يبدو أن طهران تسعى إلى كسب الوقت عبر توسيع هامش المناورة، وربما استخدام الحليفين الروسي والصيني كحزام أمان، يخفف من وقع العقوبات الغربية، ويفتح لها نوافذ اقتصادية بديلة.
ورغم هذه المحاولات، إلا أن العقبات لا تزال كثيرة أمام أي تفاهم جديد مع الولايات المتحدة، خاصة مع إدارة ترامب، التي سبق أن رفضت مطالب إيرانية جوهرية، مثل ضمان حقها في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، وتقديم تعهدات أمريكية بعدم مهاجمتها طالما المفاوضات قائمة. وقد انتهت هذه الخلافات بتصعيد عسكري، شن خلاله ترامب هجمات على منشآت نووية إيرانية.
أمن الخليج بين التعهدات الأمريكية والواقع الإسرائيلي
ومع ذلك، فإن ما جرى في قطر قد أضاء على إشكالية أعمق: غياب التفاهم الكامل بين إسرائيل والولايات المتحدة. فحتى لو وافق الرئيس الأمريكي على ضمان أمن إيران خلال المفاوضات، فإن طهران تدرك أن مثل هذا التعهد لا قيمة له إذا لم يكن مصحوبًا بتعهد إسرائيلي مماثل. وهذا الدرس لا تدركه إيران وحدها، بل تشاركه فيها دول الخليج نفسها، التي تعتمد منذ عقود على واشنطن كضامن وحيد لأمن المنطقة، وهو ما يبرر صفقاتها الضخمة لشراء الأسلحة، واستثماراتها الهائلة في الاقتصاد الأمريكي، ومواقفها السياسية المتماشية مع “المعسكر الغربي”.
هذا التحالف الإقليمي، الذي يتجلى بوضوح في اتفاقيات إبراهيم ومسار التطبيع مع إسرائيل، بُني على رؤية تقول إن إيران تمثل التهديد الأكبر، وإن الولايات المتحدة هي الحليف الوحيد القادر على احتواء هذا التهديد. لكن التطورات الأخيرة، والاختراق الإسرائيلي الأحادي للأجواء الخليجية، تطرح تساؤلات مقلقة: هل واشنطن قادرة فعلاً على لجم تل أبيب؟ وهل ما تزال تملك السيطرة الكاملة على حلفائها في المنطقة؟
في خضم هذه التناقضات، يبدو أن إيران تلعب لعبتها بذكاء. فهي تدرك أن الهجوم على قطر، رغم طبيعته العدائية، منحها فرصة لإعادة تموضعها التفاوضي، وزاد من قناعة بعض العواصم العربية بأن واشنطن وحدها لا تكفي لحماية استقرار المنطقة. وبينما يستمر السباق بين التصعيد والتهدئة، يبقى المشهد معلقًا على إجابة سؤال مفتوح: هل تسعى طهران فعلًا إلى اتفاق جديد؟ أم أنها فقط تشتري المزيد من الوقت، في انتظار لحظة أكثر ملاءمة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى