خبر عاجلسياسة

الضربة الإسرا/ئيلية لقيادة حماس في الدوحة: رسالة مزدوجة وتأثيرات إقليمية كبرى…

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الضربة الإسرا/ئيلية لقيادة حماس في الدوحة: رسالة مزدوجة وتأثيرات إقليمية كبرى…

كتب المحلل السياسي د. خالد العزي في مناشير

تُعتبر الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قيادات حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة واحدة من أكثر العمليات تأثيراً في المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. هذه الضربة ليست مجرد عملية عسكرية أو استخباراتية عابرة، بل هي رسالة واضحة ومركبة ذات شقين رئيسيين:
-الشق الأول يتجلى في الهدف الظاهر، وهو تصفية قيادات حماس بشكل مباشر، وهو إجراء يعكس رغبة إسرائيل في إضعاف الحركة على المستوى السياسي والعسكري، ومنعها من الانخراط في مسارات تفاوضية قد تعيد ترتيب الوضع الفلسطيني، خصوصاً في ظل التوترات المتزايدة في المنطقة.
-أما الشق الثاني فهو رسالة موجهة إلى دول الخليج والعالم العربي بشكل أوسع، مفادها أن إسرائيل، بدعم أمريكي، تسعى إلى إعادة تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، مع التركيز على تحييد دور الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، وتثبيت موازين جديدة في ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي.
هذا التوجه يعكس الأزمة الداخلية التي تمر بها إسرائيل، والتي تدفعها نحو خيارات أكثر تصعيداً بدلاً من الحلول السياسية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
خلفيات الضربة الإسرائيلية: فشل استخباراتي ومضامين سياسية عميقة
عند تحليل عملية الاغتيال التي استهدفت قادة حماس في الدوحة، لا يمكن إغفال وجود إخفاقات استخباراتية واضحة، خاصة بعد تسريب بعض المعلومات المهمة، والتي تشير إلى أن التنسيق الاستخباراتي الإسرائيلي لم يكن مثالياً، وربما تعرض لخروقات أفضت إلى كشف جزء من العملية.
لكن ما هو أكثر أهمية من الجانب الاستخباراتي، هو الرسالة السياسية التي تحملها هذه الضربة، إذ أن الاستهداف لم يعد يقتصر على الأجنحة العسكرية فقط، بل أصبح يطال الأجنحة السياسية للحركات المقاومة، مما يشير إلى تحول في استراتيجية إسرائيل، التي تريد ضرب مراكز القرار السياسية وليس فقط العسكرية.
مثال ذلك ما حدث مؤخراً في اليمن، حيث استهدفت الضربة الإسرائيلية مقر وزارة الحوثيين في صنعاء، وهو مؤشر واضح على أن الرسالة موجهة لجميع الفصائل المسلحة المدعومة من إيران في المنطقة. هذه الرسائل تشمل كذلك حزب الله اللبناني، الذي يعد في عين العاصفة أيضاً، خصوصاً بعد تعنته السياسي وموقفه الرافض لمسارات الدولة اللبنانية الرسمية.
إسرائيل وحلفاؤها يعيدون رسم قواعد اللعبة: تصعيد مستمر واستهداف شامل
تغيرت قواعد الاشتباك في المنطقة بشكل واضح، حيث لم تعد العمليات العسكرية تقتصر على استهداف البنية التحتية العسكرية فقط، بل باتت تشمل الأجنحة السياسية والقيادات الرئيسية. إسرائيل، بدعم أمريكي مباشر، تعمل على فرض واقع جديد في المنطقة عبر استراتيجية تصعيدية تشمل:
ضرب البنية السياسية للحركات المسلحة.
عزل هذه الحركات داخلياً وإقليمياً.
محاولة كسر قدرتها على التفاوض أو التأثير السياسي.
تعزيز وجودها الأمني والعسكري في مواقع استراتيجية.
في هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة لحزب الله في لبنان لأن يعيد النظر في مواقفه الاستراتيجية، ويبدأ بالتوافق مع الدولة اللبنانية والحكومة الشرعية، والعمل ضمن الأطر السياسية الرسمية، خاصة وأن الحزب بات هدفاً واضحاً من قِبل إسرائيل التي تسعى إلى تفكيك جميع أذرعه السياسية والعسكرية.
واقع حزب الله اللبناني بين الضغوط الداخلية والخارجية
يشكل حزب الله اليوم حالة معقدة تتداخل فيها أبعاد سياسية، عسكرية، اقتصادية واجتماعية، وهذه بعض النقاط التي توضح وضعه الراهن:
1-إجماع إسرائيلي على استهداف الحزب بكافة فروعه: لا يقتصر الأمر على السلاح فقط، بل يشمل الشبكة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة به، في محاولة لإضعافه جذرياً.
2-الضغط الأمريكي المستمر: الولايات المتحدة تضع إنهاء التواجد العسكري لحزب الله على رأس أولوياتها، وتدعم بشكل كامل الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيدها، ما يجعل لبنان ساحة مواجهة دبلوماسية معقدة.
3-التوافق الداخلي اللبناني على حصر السلاح بيد الدولة: شهدت الفترة الأخيرة تحولات سياسية غير مسبوقة في لبنان، مع تراجع دعم حلفاء الحزب من مختلف الطوائف، وازدياد الالتفاف حول الحكومة الشرعية وقراراتها.
4-تغير الوضع في سوريا وتأثيره على حزب الله: النظام السوري الجديد على الحدود الشرقية يحاول إحكام سيطرته، ما يعيق بشكل مباشر خطوط إمداد حزب الله، ويشكل ضغطاً إضافياً عليه.
5-دور الرئيس جوزيف عون والحكومة اللبنانية: من خلال خطاب القسم وبيانها الوزاري، تبدي الحكومة وعون إرادة واضحة لتوحيد السيادة اللبنانية، ودعم الجيش الذي يعمل على تنفيذ القرارات السياسية.
6-تغيير الموقف الإيراني الدولي: إيران تظهر مرونة أكبر في تعاملها مع القضايا الدولية، كما يتضح من السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة أراضيها، تحت رعاية مصرية، مما يعكس استعداداً لتجنب الاشتباكات العسكرية المكلفة.
تحولات كبرى في معادلة القوى الإقليمية ومستقبل المنطقة
إن الضربة التي استهدفت قيادة حماس في الدوحة تحمل دلالات كبيرة تتجاوز الحدود الفلسطينية لتشمل كل الملفات الساخنة في المنطقة. فهي تؤشر إلى تحول عميق في استراتيجية إسرائيل، التي باتت تسعى إلى استهداف الأذرع الإيرانية السياسية والعسكرية في وقت واحد، وذلك بدعم أمريكي لا يخفي.
هذا التحول في السياسة الإسرائيلية، إلى جانب تغير مواقف دول الخليج التي بدأت تعيد ترتيب أولوياتها واستراتيجياتها في ظل هذا الواقع الجديد، يجعل من الشرق الأوسط على مفترق طرق حاسم. فالتصعيد الأخير يعكس مرحلة جديدة من التوترات التي قد تؤدي إلى مواجهة شاملة أو إعادة رسم الخريطة السياسية بطريقة غير مسبوقة.
في ظل هذه الأجواء، فإن الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها حزب الله وحركات المقاومة، بحاجة ماسة إلى تبني سياسات مرنة وحكيمة، تركز على بناء التوافق الوطني والدولي، والانخراط في مسارات سياسية تُجنب المنطقة الانزلاق نحو حروب مفتوحة قد تكون عواقبها كارثية على جميع شعوب المنطقة.
من جهة أخرى، تقع على عاتق دول الخليج مسؤولية كبيرة في قراءة المشهد بدقة، واتخاذ مواقف متزنة تحمي مصالحها وأمنها، مع محاولة إيجاد حلول دبلوماسية تساعد في تخفيف التوترات، بدلاً من الانجرار خلف التصعيد الذي قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
في النهاية، لا يمكن إغفال أن مرحلة جديدة من التنافس والصراعات بدأت في الشرق الأوسط، وهذه المرحلة تتطلب من الجميع الحكمة والمرونة، والتركيز على الحوار والتفاهمات السياسية، لتحقيق الأمن والاستقرار الذي يطمح إليه شعوب المنطقة. إذ أن أي تدهور قد لا يقتصر على نزاعات إقليمية، بل قد يترك تأثيرات عالمية تمتد إلى خارج الحدود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى