سياسةمقالات

الصراع بين الهوية الوطنية والمذهبية: تحديات الفكر السياسي في سوريا ما بعد الثورة…

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الصراع بين الهوية الوطنية والمذهبية: تحديات الفكر السياسي في سوريا ما بعد الثورة…


د. خالد العزي – مناشير

مما لا شك فيه أن سوريا الجديدة تعاني من إعادة تركيب الأفكار والانتماء والعلاقة بين الدولة السورية والأفراد، وما بين الانتماء البيولوجي للمكونات التي تشكل تطلعات الأفراد. خاصة بعد أن ساهم نظام حزب البعث بقيادة حافظ الأسد في تحويل سوريا إلى ملكية خاصة به، مما جعلها تعرف باسم “سوريا الأسد”. هذا التحول الفكري والبيولوجي فرض على الناس إعادة التفكير في وجودهم وأفكارهم وانتماءاتهم البيولوجية والفكرية والدينية والمذهبية.
لم يكن يتصور أحد أن مملكة حافظ الأسد ستسقط بسرعة بعد هذا النضال الدموي الذي دفعه الشعب السوري، وانهيار تحالف الأقليات التي تم تربية أجيال كاملة على هذا المفهوم الذي يحمل عداءً واضحًا للعرب بالدرجة الأولى وللطائفة السنية بشكل خاص. لكن المشكلة لم تكن مجرد في التربية التي زرعها الأسد وحلفه مع الأقليات، بل في ارتمائه في الحضن الإيراني. من هنا، سأتوقف أمام شخصين كانا يعتقدان أنهما من قادة الثورة والمعارضة السورية لحافظ الأسد، ولكن في داخلهما، كانت مشكلة المعارضة لا تزال تتغذى على التربية الطائفية والمذهبية. وهذه لوثة يصعب على المرء التخلص منها بسهولة، مهما جمل أفكاره وكلامه وسفراته إلى الخارج وقدم نفسه معارضًا. ولكن السقوط سيكون واضحًا في أي لحظة ما دام لم يتم معالجة جذور التربية والتخلص منها.
إن ما دفعني للحديث عن ذلك هو موقف سمير التقي الذي فاجأني عندما تحالف مع مجل الطائفة العلوية وباقي الأقليات في حلف للذهاب إلى الكونغرس الأمريكي، في محاولة لمنع إسقاط “قانون قيصر” عن النظام السوري الجديد. ثم ظهوره على قناة “الإخبارية السورية” من قبل المذيع معاذ محارب عندما وجه له سؤالًا فتهرب منه قائلاً: “أنت تدخل في الشخصي”، ثم غادر البرنامج عاجزًا عن التحدث. طبعا لم يكن يهمني ولم أكن أعرف أن سمير التقي هو شيعي وباع حزبيته ليكون عضوًا في اللجنة المركزية للحزب، وكان هدفه البقاء في سوريا. لم أحب الوقوف أمام هذه المسائل، لكن تصرف الدكتور التقي يشير إلى أن همه الأساسي ليس سوريا ولا الثورة، بل العودة إلى أحضان الطائفة كما هو حال آخرين.
وكذلك الدكتور يحيى العريضي، ابن السويداء، الذي أوهم الجميع بأنه معارض للنظام الأسدي وقدم نفسه كقائد من القيادة السورية الأساسية المعارضة، وكان عضوًا في “الائتلاف الوطني السوري” المعارض. كان حديثه يوهم الجميع بمعارضته لنظام البعث السوري. ولكن فجأة، في أحداث السويداء، تبين أن العصب المذهبي هو الذي يقوده، والعداء الواضح للنظام السوري لم يكن لأسباب وطنية بحتة، بل لأن تركيبة هذا النظام الأكثري لم تسمح له بحجز مكان مرموق له فيه.
لذلك، سأروي قصة مرتبطة بالتقي والعريضي في العام 2007. تأسست قناة “روسيا اليوم” الناطقة بالعربية، وكنت في مرحلة التأسيس استعدادًا لانطلاقتها، وكان في مجموعتي السادسة شخص اسمه يحيى العريضي. لم يتسنّ للعريضي أن يحتل مركزًا مهمًا في التلفزيون المؤسس، لا كمدير ولا كرئيس فترة أو حتى نائب رئيس فترة أو كمدير نشرة، لأن رؤساء النشرات كانوا ضباطًا روسًا من المخابرات الذين عاشوا في الدول العربية ويتكلمون العربية الفصحى، والنواب كانوا عربًا يملكون خبرة في التحرير. لأن العريضي لم يكن يملك هذه الخبرة، وضعوه في التحرير مثل أي محرر آخر، فلم يعجبه الوضع لأنه لا يريد أن يكون مهزلة للآخرين بعد الخبرة التي يدعيها. وعندما أحسّ بأن القناة لم تهتم بتجديد عقده، ابتدع فكرة وطنية صرف.
حصل ذلك عندما كانت معركة نهر البارد في لبنان الشمالي مستعرة، وكان مراسل القناة محمد عاصي يقول إن المجموعة الموجودة في المخيم هي “فتح الإسلام” وتابعة لشاكر العبسي المدعوم من النظام السوري. عندها انتفض يحيى العريضي، الذي كان ينتظر الفرصة للانقضاض على القناة، وتسجيل موقف وطني يُقدمه للنظام الأسدي في دمشق، بالتصدي للمراسل وجعلها قضية وطنية.
عندها أرسل العريضي عريضة للتوقيع من قبل المحررين الذين كانوا في الغالب من جماعة المحور والنظام السوري. حيث وضع جملة لازلت أتذكرها تقول: “كيف للقناة السماح لمراسل غبي أن يهين بلدي ويتهمها بدعم الإرهاب”. طبعًا كان يريد تسجيل موقف سياسي يبيعه للنظام ليخرج من القناة بطلًا منتصرًا، وليس منتهاية ولايته.
لكن رفض الأغلبية من المحررين توقيع العريضة ازعج العريضي ، عندها ذهب العريضي إلى دمشق مقدمًا أوراق اعتماده للنظام المخابراتي. فخلال نفس الفترة، كان يُشترط على مقدمي الأخبار في القنوات التلفزيونية الاستعانة بضيف لتحليل المشهد وقراءة المعلومات. كنت بدور كمحرر أتابع تغطية اخبار نهر البارد، وعرضت على رئيس النشرة الفلسطيني من نابلس “جمال المعاري”، الذي كان تابعًا لأحد تنظيمات المحور، أن يستضيف وزير الإعلام وقتها غازي العريضي، فقلت له إن العريضي من جماعة وليد جنبلاط الحزب الاشتراكي، لكنه يميل لسوريا. رفض جمال المعاري رفضًا قاطعًا، وأصرّ على استضافة شخص سوري. بعد جدل طويل، انتهى الموضوع بأن لا تناقشني بالمهنية بل بالسياسة، ومطلوب استضافة سوري. تركت الموضوع له، وقلت: “أكمل عملي وتابع بنفسك كما تريد ، أنت رئيس الفترة، يمكنك ذلك”. وبعد الانتظار، تمت استضافة سمير التقي للتعليق، وقال لي إنهم لم يعطوا سوى اسم الدكتور سمير التقي، وبالنهاية هذا عضو لجنة مركزية أو مكتب سياسي في الحزب الشيوعي السوري. فقلت له سريعًا لصالح بشار الأسد، نظر إليّ نظرة غضب، فقلت له: “اذهب واعمل شغلك، أنا لا أعمل عندك”.
عند الاستماع للدكتور سمير التقي، ظننت أنني أستمع إلى أحد القادة الأمنيين، لكن بطريقة تجميلية منمقة للكلمات والأفكار. لم يعجبني ردّه، لكنني قلت في نفسي: “هذه سوريا وهذا حزب بكداش، فماذا نتوقع من السوريين في الداخل الذين يخرجون للحديث على الإعلام، سيكون خطابهم أعلى مزايدة من حزب البعث والمخابرات”.
اذن، لا شك بأن العودة إلى الجذور المذهبية والدفاع عن المذهب يصبح عند البعض أقوى من التصورات والدوافع الوطنية والقومية التي قد يستخدمها في أسلوبه وعرضه النظري. لكن في التطبيق الفعلي، يفرض المذهب نفسه على هؤلاء الأشخاص، وخاصة أولئك الذين يُسمون بالمفكرين أو القادة الذين يروجون للأفكار الوطنية والعامة. حيث يتحول الأمر إلى تجسيد للمصالح المذهبية والفئوية، ما يؤدي إلى إحياء الحياة المذهبية والإقليمية بدلاً من تعزيز الوحدة الوطنية والشمولية. هذا التحول يبرز التحديات التي تواجه الفكر السياسي والاجتماعي في مجتمعات متعددة الهويات، ويعكس أن التصورات النظرية قد تتعارض مع واقع ممارسة السياسة التي غالبًا ما تكون محكومة بالمصالح الطائفية والإقليمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى