السلاح الفلسطيني في لبنان: التزام رسمي، تباين فصائلي، وتحولات تحت الضغط..!

كتب المحلل السياسي د. خالد العزي في مناشير
لا تزال السلطة الفلسطينية ملتزمة بقرارها بتسليم السلاح إلى الدولة اللبنانية. فقد جرت عملية تسليم جديدة بتاريخ 13ايلول في مخيم البدّاوي، حيث سلّمت الفصائل سلاحها عبر الأمن الوطني الفلسطيني، وذلك استكمالًا لما بدأ بتاريخ 10 أيلول، حين تم تسليم عدة شاحنات محملة بصواريخ وأسلحة ثقيلة خرجت من مخيم عين الحلوة. وكان قد سبق ذلك تسليم السلاح في مخيمَي البص والرشيدية في صور.
الالتزام الفلسطيني اللبناني المشترك لضبط السلاح
الأمن الوطني الفلسطيني في المخيمات أبدى التزامًا واضحًا بالاتفاق اللبناني – الفلسطيني، الذي ينص على تسليم السلاح وحصره بيد الدولة اللبنانية. هذا الاتفاق يعكس قرارًا استراتيجيًا بسحب الغطاء الشرعي عن السلاح الفلسطيني العشوائي، الذي بات يُشكل خطرًا داخليًا على المخيمات، إضافة إلى تهديدات من الجانب الإسرائيلي.
وتجري عملية تسليم السلاح وفقًا لاتفاق تم بين الشرعية اللبنانية والسلطة الفلسطينية. وتشارك حركة “فتح” في هذه الجهود لدعم الدولة اللبنانية، من خلال رفع الغطاء عن السلاح غير الشرعي، وبالتالي نزع ورقة طالما استثمرها محور “الممانعة” و”حزب الله”، الذي يصرّ على حصرية السلاح خارج إطار الدولة.
وتُستند هذه الجهود إلى القرار المتخذ في جلستي مجلس الوزراء اللبناني المنعقدتين في 5 و7 آب/أغسطس الماضي، حيث تم تكليف الجيش اللبناني بإعداد تقرير لتنفيذ الخطة التقنية لجمع السلاح، والتي أُقرت رسميًا في جلسة 5 أيلول/سبتمبر الحالي.
التباين في مواقف الفصائل: فتح منفتحة، حماس متحفظة
من جهته، عبّر الأمن الوطني الفلسطيني عن التزامه الكامل بقرارات الدولة اللبنانية، وتفاعل مع النتائج السياسية والأمنية المترتبة عليها. في المقابل، كان موقف حركة حماس من القرار متَحفِّظًا، حيث رأت أن سلاحها مرتبط بـ”حق العودة”، ولا يمكن تسليمه بسهولة.
تحفّظ حماس جاء خصوصًا بعد تسليم بعض المجموعات الفلسطينية غير الشرعية سلاحها في مخيم برج البراجنة، وهو ما اعتبرته حماس أن ذلك السلاح لا يمثلها، بل هو تابع لحركة فتح، وبالتالي فإن القرار لا يُلزمها ولا يُلزم باقي الفصائل.
تُعتبر حركة حماس نفسها جزءًا من محور “المقاومة”، والذي يتبع – بشكل غير مباشر – للإرادة السياسية الإيرانية. وتواجه حاليًا هذا المحور هجمة إسرائيلية شرسة، الأمر الذي دفع الحركة إلى رفض الحديث عن نزع السلاح في هذا التوقيت، معتبرة أن ذلك يخدم مصالح إسرائيل، ويتماشى مع موقف “حزب الله” الرافض لحصر السلاح بيد الدولة.
قراءة بانورامية لمواقف الأطراف داخل المخيمات
يمكن تصنيف المواقف داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى أربعة اتجاهات رئيسية:
1- فتح والفصائل التابعة لها:
ملتزمة بتنفيذ القرارات اللبنانية، وتعمل ضمن اتفاق واضح مع الشرعية الفلسطينية واللبنانية.
2- حماس وفصائل المقاومة العشرة:
بدأت بتليين مواقفها تدريجيًا، نتيجة إدراكها لتغير الموازين الإقليمية والدولية، وتنامي الإصرار اللبناني والدولي على تنفيذ قرار حصر السلاح.
3- المتشددون الإسلاميون داخل مخيم عين الحلوة:
يمثلون الفئة الأخطر، وهم ما زالوا متحصنين داخل المخيم. من المرجّح أنهم سيضطرون لإيجاد صيغة للخروج، أو الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الأمنية.
4-العصابات والمروجون والمخالفون للقانون:
وهم الفئة التي تستغل المخيمات وغياب الرقابة لممارسة أنشطة ممنوعة، وسيُواجَهون بحزم من الدولة اللبنانية لحماية الأمن في الداخل اللبناني والمناطق المحيطة.
بلبلة الشارع الفلسطيني بين الخوف المشروع والابتزاز السياسي
في ظل المواقف المتباينة للفصائل، تسود حالة من البلبلة في أوساط الشارع الفلسطيني في لبنان. يرى كثيرون أن تسليم السلاح قد يُجرد الفلسطينيين من وسيلة الدفاع الوحيدة، خاصة بعد التجارب المريرة كاحتلال بيروت ومجازر صبرا وشاتيلا التي وقعت في ظل غياب الحماية المسلحة.
ومن جهة أخرى، ظهرت أصوات تحاول ابتزاز الدولة اللبنانية، عبر ربط تسليم السلاح بالحصول على الحقوق المدنية مثل: التملك، والعمل، والخروج والدخول من المخيمات دون قيود أمنية. لكنّ هذا المنطق، وإن بدا مفهومًا في ظل التهميش المزمن، لا يمكن القبول به في دولة تسعى لضبط أمنها.
الأمن مقابل الحقوق: معادلة قابلة للتفاوض
رغم واقعية الهواجس الفلسطينية، إلا أن الابتزاز عبر السلاح لا يمكن أن يُنتج حلاً. حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، إن تمّ، سيعزز الأمن ويخلق أرضية صلبة لطرح الملفات الحقوقية والمدنية، مثل: السماح بحرية التنقل، محاسبة المتورطين في الجرائم، ومن ثم طرح قوانين تضمن إنسنة الوجود الفلسطيني في لبنان، بما يليق باللاجئين الذين ينتظرون حق العودة.
تحوّل في موقف حماس بعد ضغط عربي ودولي
تبيّن من خلال بيان رسمي صادر عن حركة حماس بتاريخ 13 أيلول الجاري، أن الحركة بدأت فعليًا في تليين موقفها، حيث أعلنت أنها لا تمانع تنفيذ القرار اللبناني، لكنها تحتاج إلى “الوقت الكافي” وتوفير “بعض الضمانات” لتنفيذه.
قد يُعزى هذا التغيّر في موقف حماس إلى الضغوط التي تعرضت لها في الدوحة، ما دفعها إلى إعادة النظر في حساباتها. حماس تدرك جيدًا أنها لا تستطيع مواجهة الدولة اللبنانية، ولا الدخول في صراع مع الشارع الفلسطيني أو المكونات اللبنانية، خصوصًا في ظل أزماتها المتصاعدة في غزة والخارج، وحاجتها إلى كل دعم ممكن – عربي أو دولي – بما في ذلك الدعم اللبناني.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد خطوة أمنية لتسليم السلاح، بل عملية سياسية – اجتماعية – إنسانية تهدف إلى إعادة ضبط العلاقة بين الوجود الفلسطيني في لبنان والدولة اللبنانية.
يجب أن تُقابل خطوة تسليم السلاح بخطوات حقيقية من الدولة اللبنانية نحو:
-تحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين
-إعطاء الحقوق المدنية الأساسية
-تسريع المسار القانوني لوضعهم
-حماية المخيمات من تغلغل المتطرفين والمجرمين
بهذا التوازن، يمكن بناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل، وتُفتح نافذة أمل للاجئين الفلسطينيين للعيش بكرامة بانتظار عودتهم إلى أرضهم، دون أن يكون السلاح هو السبيل الوحيد لحمايتهم.



