خبر عاجلمقالات

“الزيدي في ثوب الإنقلاب الناعم”.. هل تعيد أميركا رسم المعادلة أم العراق أمام أختبار مستحيل؟ – محمد المشهداني

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

“الزيدي في ثوب الإنقلاب الناعم”.. هل تعيد أميركا رسم المعادلة أم العراق أمام أختبار مستحيل؟ – محمد المشهداني

 

 

محمد المشهداني _ مناشير

في السياسة لا تقاس أهمية الزيارات الرسمية بعدد الأتفاقيات الموقعة أو ساعات الإجتماعات بل في الرسائل التي تبث بين السطور و في الأنطباعات التي تترك لدى الخصوم قبل الحلفاء وفي العراق حيث تتحول الإشارة إلى أزمة والأبتسامة إلى رسالة و المجاملة الدبلوماسية إلى مادة للصراع الداخلي جاءت زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى البيت الأبيض لتفتح بابا واسعا من التأويلات وتدفع الطبقة السياسية إلى قراءة المشهد بمنطق الشك أكثر من اليقين.

فإن اللقاء الذي جمع الزيدي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكن بحسب ما تسرب من كواليسه إجتماعا بروتوكوليا أعتياديا بل بدأ وكأنه مناسبة سياسية أرادت الولايات المتحدة الأميركية من خلالها إرسال إشارات متعددة الأتجاهات بعضها إلى الداخل العراقي وبعضها إلى القوى الإقليمية وبعضها إلى القوى المسلحة التي ما تزال تمثل العقدة الأكثر تعقيدات في ملف الدولة العراقية ومنذ اللحظة التي خرجت فيها عبارات الإطراء الشخصية التي وجهها ترامب إلى الزيدي بدأت غرف القوى السياسية ولا سيما داخل الإطار التنسيقي تعيد حساباتها فإن الرئيس الأميركي لم يكتفِ في الحديث عن العلاقات الثنائية بل أستخدم لغة شخصية غير مألوفة عندما وصف رئيس الوزراء العراقي بأنه شاب وسيم وفائز في العراق مضيفا أنه يغار منه وأنه سيبقى في منصبه طويلاً فضلا عن حديثه عن وجود كيمياء عالية بينهما.

في الأعراف السياسية قد تبدو مثل هذه الكلمات مجرد مجاملات دبلوماسية لكنها في البيئة العراقية لا تقرأ بهذه البساطة فكل عبارة تصدر عن البيت الأبيض تتحول إلى مادة للتحليل وكل إشارة تفسر بأعتبارها رسالة سياسية مقصودة خصوصا عندما يتعلق الأمر برئيس حكومة يقود مرحلة شديدة الحساسية تتقاطع فيها المصالح الأميركية والإيرانية والإقليمية.

وما بين الدعم الأميركي وقلق الإطار التنسيقي

حيث بدأ القلق الذي تسرب من بعض أوساط الإطار التنسيقي لا يرتبط بشخص الزيدي بقدر ما يرتبط بأحتمال تشكل معادلة سياسية جديدة داخل العراق يكون عنوانها إنتقال مركز الثقل من الأحزاب التقليدية إلى شخصية تنفيذية تمتلك شرعية داخلية ودعما خارجيا في آن واحد فهناك من يرى أن واشنطن ربما تحاول الأستثمار في شخصية رئيس الوزراء بأعتباره نموذجا يمكن التعامل معه بصورة أكثر مرونة بعيدا عن تعقيدات منظومة المحاصصة والصراعات الحزبية التي حكمت العراق منذ العام 2003.

ومن هنا برز مصطلح الإنقلاب الناعم ليس بوصفه إنقلابا عسكريا أو دستوريا وإنما بأعتباره عملية إعادة تشكيل تدريجية لموازين القوى بحيث يصبح رئيس الوزراء مركز القرار الفعلي فيما تتراجع قدرة القوى السياسية التقليدية على التحكم في المشهد التنفيذي و غير أن هذا التصور يبقى حتى الآن أقرب إلى القراءة السياسية منه إلى الوقائع الثابتة إذ لا توجد مؤشرات معلنة على وجود مشروع أميركي لإعادة هندسة السلطة في العراق بهذا الشكل كما أن النظام السياسي العراقي قائم على توازنات معقدة تجعل أي تغيير جذري بحاجة إلى توافقات داخلية واسعة.

 

و لكن النقطة التي أثارت أكبر قدر من الجدل لم تكن كلمات دونالد ترامب وإنما ما قيل إن علي الزيدي تعهد به خلال اللقاء بشأن ملف السلاح وهنا فإذا صحت الرواية المتداولة فإن رئيس الوزراء أبلغ الجانب الأميركي بأن ملف سلاح الفصائل أصبح تحت مسؤوليته وأنه يعمل على حصر السلاح بيد الدولة قبل نهاية العام وأن في ذلك أن ملف الفصائل المسلحة ليس مجرد قضية أمنية بل هو أحد أكثر الملفات تعقيدا في النظام السياسي العراقي لارتباطه بتوازنات داخلية وتشابكات إقليمية و أعتبارات قانونية وأمنية و إجتماعية تراكمت خلال سنوات الحرب على الإرهاب وما بعدها ومن الطبيعي أن يقابل أي حديث عن إنهاء هذا الملف خلال أشهر قليلة بدرجات متفاوتة من التشكيك خصوصا من القوى التي ترى أن هذا الهدف يتجاوز قدرة أي حكومة عراقية مهما بلغت قوتها.

 

 

والسؤال لماذا يشكك خصوم الزيدي؟.

 

المنتقدون يرون أن الولايات المتحدة الأميركية نفسها هي التي تمتلك أكبر قدرات عسكرية و مخابراتية و إستخبارية في العالم لم تتمكن طوال عقدين من فرض معادلة أمنية مستقرة في العراق فكيف يمكن لحكومة عراقية خلال أشهر معدودة أن تنجز ملفا ظل معلقا لأكثر من عقدين؟.

 

و كما أن الفصائل العراقية ليست كيانا واحدا يمكن التفاوض معه بقرار مركزي بل تتكون من تشكيلات متعددة تختلف في بنيتها وارتباطاتها ورؤيتها السياسية وهو ما يجعل أي مشروع لإعادة تنظيم هذا الملف يحتاج إلى توافقات داخلية معقدة وليس فقط إلى إرادة حكومية.

 

 

 

وطبعا المواقف التي صدرت عقب الزيارة عكست حجم الأنقسامات في العراق.

 

ففي حين تعاملت بعض القيادات السياسية مع ما نقل عن اللقاء بأعتباره مبالغات إعلامية أو وعودا يصعب تنفيذها ذهبت بعض الفصائل العراقية إلى إعلان رفضها العلني للزيارة معتبرة أن أي التزامات تمنح لواشنطن في ملف السلاح تمثل تجاوزا للواقع السياسي القائم و كما صدرت مواقف حادة تضمنت التلويح في التصعيد وهو ما يعكس حساسية الملف أكثر مما يعكس بالضرورة وجود مواجهة وشيكة.

 

و الجانب الآخر من المشهد تمثل في الإجراءات الأمنية الأستثنائية التي رافقت الزيارة.

 

حيث أن الأستنفار الأمني الذي شهدته العاصمة الأميركية والإجراءات المشددة المحيطة بتحركات الوفد العراقي عكست حجم الحساسية الأمنية في ظل التوترات الإقليمية المستمرة بين الولايات المتحدة الأميركية و الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومن الطبيعي في مثل هذه الظروف أن تفرض ترتيبات أمنية واسعة على تحركات الوفود الرسمية خاصة في العاصمة الأميركية إلا أن هذه الإجراءات أضافت بعدا رمزيا إلى الزيارة وأعطتها زخما إعلاميا

وسياسيا أكبر.

 

 

والسؤال هل تراهن أميركا على رجل واحد؟.

 

منذ العام 2003. تعاقب على رئاسة الحكومة العراقية عدد من الشخصيات التي حظيت بدرجات متفاوتة من الأنفتاح الأميركي و لكن التجربة أثبتت أن الولايات المتحدة الأميركية رغم تأثيرها لم تستطع صناعة زعيم عراقي بمعزل عن التوازنات الداخلية لأن النظام السياسي في العراق يقوم على شبكة معقدة من التوافقات بين القوى السياسية إضافة إلى تأثير الفاعلين الإقليمي ين ولهذا فإن الحديث عن أن أميركا قررت صناعة زعيم جديد للعراق يبقى بحاجة إلى أدلة تتجاوز الأنطباعات أو المجاملات السياسية.

 

وهنا العراق بين مشروع الدولة وموازين القوى

حيث أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في زيارة البيت الأبيض ولا في كلمات دونالد ترامب بل في السؤال الأعمق هل يستطيع أي رئيس وزراء عراقي بناء دولة تمتلك وحدها قرار السلاح؟…..

 

و هذا السؤال ظل مطروحا منذ أكثر من عقدين وتعاقبت عليه حكومات متعددة رفعت الشعارات نفسها و لكنها أصطدمت في النهاية بواقع سياسي وأمني شديد التعقيد حيث أن الدولة العراقية اليوم ليست مجرد مؤسسات رسمية بل هي منظومة من التوازنات السياسية و الإجتماعية والأمنية وأي محاولة لإعادة رسم هذه المنظومة تحتاج إلى توافق وطني واسع وإلى بيئة إقليمية أقل توترا وإلى قدرة مؤسساتية مستدامة.

سواء كانت زيارة علي الزيدي إلى الولايات المتحدة الأميركية نقطة تحول حقيقية أم مجرد محطة دبلوماسية حيث أحيطت بقدر كبير من التهويل الإعلامي و فإن المؤكد أنها أعادت فتح النقاش حول مستقبل السلطة في العراق وحدود النفوذ الأميركي وإمكانات الدولة في فرض أحتكارها المشروع للقوة ولكن في المقابل فإن توصيف ما جرى بأنه إنقلاب ناعم يظل توصيفا سياسيا يعكس مخاوف أو قراءات لدى بعض القوئ وليس حقيقة مثبتة بوقائع معلنة فإن التغييرات الكبرى في العراق بحكم تركيبته الإجتماعية والسياسية والمؤسساتية لا تتحقق عادة بزيارة واحدة أو بلقاء واحد بل عبر مسارات طويلة ومعقدة تتداخل فيها الإرادات المحلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية.

ويبقى السؤال مفتوحا هل كانت زيارة أميركا بداية هي مرحلة جديدة في العلاقة بين رئاسة الحكومة العراقية والولايات المتحدة الأميركية أم أنها مجرد فصل آخر في مسلسل التنافس على النفوذ داخل العراق ؟. الإجابة ستتوقف على ما ستكشفه الأشهر المقبلة من سياسات وقرارات أكثر مما قالته الكلمات في المكتب البيضاوي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى