الدكتور خليل ياسين ، خمسون عاماً من طب الأسنان… وخمسون عاماً من الكرامة قبل المهنة
الدكتور خليل ياسين ، خمسون عاماً من طب الأسنان… وخمسون عاماً من الكرامة قبل المهنة

بقلم وائل خليل ياسين
خمسون عاماً… قد يراها البعض مجرد رقم في سجل المهنة، لكنها بالنسبة لنا حكاية عمر، ومسيرة رجل آمن بأن الطب رسالة قبل أن يكون وظيفة، وبأن الإنسان هو رأس المال الحقيقي الذي يبقى بعد أن تنقضي السنوات.
قبل خمسين عاماً، دخل والدي عيادة طب الأسنان حاملاً علمه وشغفه، ولم يكن يدرك أنه سيقضي نصف قرن يرسم الابتسامة على وجوه الناس، ويخفف آلامهم، ويترك في قلوبهم أثراً ربما كان أكبر من أي علاج قدّمه لهم.
لكن ما يميّز هذه الرحلة أنها لم تُبنَ على النجاح المهني وحده، بل على منظومة من القيم لم يتخلَّ عنها يوماً، مهما تبدلت الأزمنة والظروف.
لقد كان بإمكانه أن يختار الطريق الأسهل، وأن ينال من الامتيازات ما ناله كثيرون في زمنٍ كانت فيه الكرامة تُدفع ثمناً للمكاسب. لكنه اختار طريقاً آخر؛ طريقاً أكثر مشقة، وأكثر عزلة أحياناً، لكنه كان الطريق الذي يستطيع أن ينظر فيه إلى المرآة كل صباح دون أن يخجل من نفسه.
رفض أن يكون تابعاً، ورفض أن يبيع قناعته، ورفض أن ينحني حيث كان الانحناء يفتح الأبواب. دفع ثمناً لذلك من راحته واستقراره وفرصه، لكنه ربح ما هو أثمن من كل ذلك؛ احترام الناس، ومحبة من عرفوه، وراحة الضمير التي لا تُشترى.
كبرنا ونحن نرى فيه الطبيب الذي يعالج بابتسامته قبل أدواته، ويستقبل الفقير كما يستقبل الغني، ولا يفرّق بين الناس إلا بقدر حاجتهم. وكبرنا أيضاً ونحن نتعلم منه أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يرفض أن يفرّط به.
لم يكن يحدّثنا كثيراً عن المبادئ، بل كان يعيشها أمامنا كل يوم. لذلك، كانت تربيته أبلغ من ألف موعظة، وكانت سيرته هي الدرس الأكبر الذي حملناه معنا في حياتنا.
واليوم، ونحن نقف أمام خمسين عاماً من العطاء، ندرك أن إرثه الحقيقي ليس عيادةً، ولا شهادةً، ولا لقباً علمياً، بل تلك السمعة الطيبة التي صنعها بصبره، وذلك الحب الذي تركه في قلوب الناس، وتلك القيم التي أورثها لأبنائه وأحفاده.
ويزداد هذا اليوم جمالاً لأن الرسالة لم تتوقف عند جيلٍ واحد، بل تستمر عبر حفيده *الدكتور خليل ياسين*، الذي اختار أن يسير في الطريق ذاته، مؤمناً بأن طب الأسنان ليس مجرد علاج للأسنان، بل رسالة إنسانية، وأن النجاح الحقيقي لا يكون بعدد المرضى، بل بعدد القلوب التي تغادر العيادة وهي تحمل الامتنان قبل العلاج.
أبي الحبيب…
خمسون عاماً لم تكن فقط خمسين عاماً من طب الأسنان، بل كانت خمسين عاماً من الصدق، والكرامة، والحرية، والعمل الشريف، والإيمان بأن الإنسان يبقى بما يزرعه في حياة الآخرين.
نسأل الله أن يمدك بالصحة والعافية، وأن يبارك في عمرك، وأن يجعل كل ابتسامة أعدتها إلى وجه مريض، وكل ألم خففته، وكل معروف قدمته، في ميزان حسناتك.
أما نحن، فسنبقى نفتخر بأننا أبناء رجلٍ علّمنا، قبل أي شيء، أن الكرامة هي أعظم ما يملكه الإنسان، وأن المهنة مهما علت، تبقى أقل شأناً من المبادئ التي يحملها صاحبها.
*خمسون عاماً من طب الأسنان… نعم، لكنها قبل كل شيء خمسون عاماً من الكرامة.*



