خبر عاجلسياسة

الجنوب يُقصف مرتين: بالقنابل أولًا، وبالصمت الدولي ثانيًا

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الجنوب يُقصف مرتين: بالقنابل أولًا، وبالصمت الدولي ثانيًا

خاص مناشير

في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الحروب خاضعة لقواعد، وأن تبقى الجغرافيا بمنأى عن الانتقام، تكشف منظمة العفو الدولية في تقريرها الأخير عن ما يمكن اعتباره جريمة حرب متكاملة الأركان ارتكبتها إسرائيل في جنوب لبنان بين أكتوبر 2024 ويناير 2025، خصوصًا بعد سريان وقف إطلاق النار.

فمن خلال عمليات تدقيق شاملة وشهادات ميدانية وصور التُقطت عبر الأقمار الصناعية، توصلت المنظمة إلى أن التدمير الواسع للمنازل، والمزارع، والبنى التحتية في قرى الجنوب لم يكن مجرد “أضرار جانبية”، بل كان تدميرًا ممنهجًا ومتعمّدًا، لا يستند إلى أي “ضرورة عسكرية قهرية” كما يفترض القانون الدولي.

القانون الدولي الإنساني واضح: لا يجوز تدمير الممتلكات المدنيّة إلا في حالات الضرورة العسكرية القصوى. حتى العثور على أسلحة داخل منزل لا يعطي مبررًا لتسويته بالأرض. فكيف يمكن تبرير محو قرى كاملة بعد وقف إطلاق النار؟ كيف يُمكن تفسير اجتثاث آلاف الأشجار التي يعود عمر بعضها إلى قرون، سوى على أنه محاولة لإعادة رسم الذاكرة والمساحة بالقوة؟

تقول فرح برو من كفركلا: “قلبي يحترق على الأشجار أكثر من أي شيء آخر… كانت هذه المنازل والبساتين آخر ما تبقّى لنا من أجدادي”. هذا التصريح لا يُعبّر فقط عن الألم الشخصي، بل عن الجرح الجماعي لشعب يُعامَل كأن لا تاريخ له ولا جذور.

المأساة الأكبر أن العدالة مؤجّلة. فلبنان و”إسرائيل” ليستا طرفين في “نظام روما الأساسي” للمحكمة الجنائية الدولية، ما يعيق المحاسبة القانونية. لكن هذا لا يُلغي الحقيقة القانونية: ما حدث يُعدّ جريمة حرب بموجب القانون الدولي العرفي، ولا يحتاج أن يكون “واسع النطاق” ليُصنّف كذلك.

المطلوب اليوم ليس فقط التوثيق، بل إرادة سياسية وشعبية ودولية لوضع حدّ لثقافة الإفلات من العقاب، ولحماية ما تبقّى من الأرض والتاريخ والكرامة. لأنّ التدمير لا يطال الحجر فقط، بل يُصيب الهوية في الصميم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى