الإمارات والسودان: تحولات استراتيجية في قلب الصراع الإقليمي..! خالد العزي

د. خالد العزي – مناشير
في سياق الأزمة السودانية الحالية، كانت الفاشر محط أنظار القوات المتصارعة، حيث تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة عليها بعد حصار خانق استمر أكثر من عام ونصف، مما تسبب في ظروف إنسانية قاسية للسكان. في 30 تشرين الأول، وقعت مجزرة في معسكر الإيواء بالفاشر، ارتكبها عناصر من قوات الدعم السريع، مما أضاف فصلاً جديدًا من الفظائع التي ارتُكبت ضد المدنيين في المدينة، في وقت كانت تعاني فيه من عزلة شديدة وظروف حرب مريرة.
تعتبر مدينة الفاشر رمزًا تاريخيًا وجغرافيًا مهمًا في إقليم دارفور، حيث كانت العاصمة التاريخية للمنطقة قبل أن تدمج في السودان عام 1916 بعد هزيمة سلطان دارفور علي دينار. ورغم التغيرات السياسية التي شهدتها المدينة، بقيت الفاشر مركزًا حيويًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمنطقة غرب السودان، بفضل موقعها الاستراتيجي الذي يربط السودان بليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى.
الحرب الإعلامية ضد الإمارات: اتهامات بتورطها في الأزمة السودانية
سرعًا بدأت الحرب الإعلامية ضد الإمارات مع تصاعد الأوضاع في السودان، حيث تم اتهامها بمحاولة تحميل مسؤولية ما يجري في السودان نتيجة دعمها العسكري لقوات الدعم السريع. هذه الحملة الإعلامية تهدف إلى تشويه صورة الإمارات وتوجيه اللوم إليها على الفظائع والانتهاكات التي شهدتها مناطق عديدة في السودان، وخاصة في دارفور والفاشر.
وتروج بعض الأطراف أن الإمارات، من خلال تقديم الدعم لقوات الدعم السريع، قد تكون قد أسهمت في تفاقم الأزمة الإنسانية والسياسية، مما جعلها هدفًا رئيسيًا في الحملات الإعلامية التي تسعى لتصدير اللوم على أي جهة متورطة في الصراع السوداني. هذه الاتهامات تعكس الصراع الأوسع في المنطقة، حيث تحاول بعض القوى استغلال الأزمة السودانية لتقويض الدور الإقليمي والدولي للإمارات، بينما تسعى الإمارات في المقابل للحفاظ على موقفها المحايد والإنساني دون الانحياز إلى أي طرف مسلح.
في تقريرٍ نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، تم الكشف عن تورط الإمارات في إرسال أسلحة إلى قوات الدعم السريع في السودان، وهو ما يفتح نافذة على تعقيدات الوضع الإقليمي والسياسي في منطقة القرن الإفريقي. وعلى الرغم من أن الإمارات قد تجنبت سابقًا التورط المباشر في هذا الصراع الدموي، إلا أن دعمها لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف بـ “حميدتي”، يظهر توجهاً استراتيجياً يسعى لتحقيق مصالح اقتصادية وأمنية في السودان. ولكن هذا الدعم لا يخلو من تداعيات كبيرة على العلاقات الدولية للإمارات، سواء مع الولايات المتحدة أو مع الحلفاء الإقليميين.
المصالح الاقتصادية: النفط والذهب كأدوات قوة
تسعى الإمارات، مثل العديد من القوى الإقليمية الكبرى، إلى تعميق نفوذها الاقتصادي في السودان، خاصة بسبب الثروات الطبيعية التي يتمتع بها هذا البلد الغني. من الذهب إلى المعادن الأخرى، مرورًا بالموارد الزراعية، يُنظر إلى السودان كمنطقة استراتيجية توفر فرصًا اقتصادية ضخمة. ومن هنا تأتي أهمية دعم الإمارات لقوات الدعم السريع، التي تحكم مناطق غنية بالموارد، مثل مناطق التعدين في السودان. دعم حميدتي هو بمثابة استثمار اقتصادي، حيث أن السيطرة على الأراضي السودانية الغنية بالموارد تسهم في تعزيز النفوذ الإماراتي في منطقة حيوية.
الموقع الاستراتيجي: البحر الأحمر وممراته
تعتبر الإمارات أن السودان يقع في موقع استراتيجي حاسم في القرن الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر. هذه المنطقة تعدّ من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تعبر منها سفن تجارية بمليارات الدولارات من السلع سنويًا. إذا تمكنت قوات الدعم السريع من إحكام قبضتها على السودان، فإن الإمارات ستكون في وضع مثالي لتعزيز علاقاتها مع حكومة السودان المستقبلية، وهو ما يساهم في تعزيز دورها كمحور اقتصادي وأمني في البحر الأحمر.
دور الإمارات في الصراع السوداني: دعم حميدتي كخيار استراتيجي
في قلب هذا الصراع، تتبنى الإمارات استراتيجية مزدوجة. من ناحية، تعمل على دعم قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، الذي يمتلك قوة عسكرية حيوية على الأرض. دعم الإمارات لحمدتي يعدّ خطوة استراتيجية تهدف إلى تأمين مصالحها في المستقبل، حيث أن حميدتي يشكل لاعبًا رئيسيًا في المعركة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. علاوة على ذلك، فالإمارات تراهن على أن نجاح قوات الدعم السريع في تحقيق مكاسب عسكرية سيؤدي إلى تعزيز نفوذها في المنطقة.
لكن، في الوقت نفسه، يُلاحظ التباين بين تصريحات الإمارات التي تروج للمساعدات الإنسانية وبين الواقع الميداني حيث كشفت تقارير عن شحنات أسلحة مخفية تحت غطاء المساعدات الإنسانية. هذا التناقض بين القول والفعل يعكس التحديات التي تواجه الإمارات في الحفاظ على توازن بين دعمها العسكري وبين الحفاظ على صورتها في المجتمع الدولي.
التداعيات على العلاقات الدولية: القلق الأمريكي وتهديدات التحالفات
تسبب دعم الإمارات لقوات الدعم السريع في تأجيج التوترات مع الولايات المتحدة، التي عبرت عن قلقها من تورطها في صراع عسكري مسلح في السودان. في وقتٍ حساس، حيث تتوسط الولايات المتحدة في محاولات لوقف القتال وضمان إيصال المساعدات الإنسانية إلى المتضررين من الحرب، فإن دعم الإمارات لقوات تدعمها قوات مشبوهة دولياً قد يشكل عقبة أمام جهود السلام. إذا استمر هذا الدعم، قد تضع الإمارات نفسها في مواجهة مع القوى الغربية التي تشعر بقلق متزايد من تصعيد النزاع.
على المستوى الإقليمي، تتعاون الإمارات مع العديد من الدول في منطقة البحر الأحمر مثل مصر وتشاد والسعودية. بيد أن هذه التحالفات قد تتعرض للاختبار إذا استمرت الإمارات في دعم قوات يُعتقد أنها تمارس انتهاكات لحقوق الإنسان.
التحديات الإنسانية واتهامات بارتكاب الفظائع
من أهم النقاط التي يجب الوقوف عندها في هذا الصراع هو ما أشار إليه تقرير “وول ستريت جورنال” حول تورط قوات الدعم السريع في انتهاكات لحقوق الإنسان. ففي وقت تتعرض فيه قوات الدعم السريع لاتهامات بارتكاب فظائع تشمل قتل المدنيين وتدمير المناطق السكنية، يضع هذا الدعم الإماراتي في موقف حرج أمام المجتمع الدولي. كما أن العلاقة مع منظمات حقوق الإنسان قد تتأثر بشكل كبير إذا استمر تورط الإمارات في دعم هذه القوات.
العلاقة مع فاغنر الروسية: التنافس الإقليمي والتشابك الدولي
تربط تقارير عدة بين قوات الدعم السريع وروسيا، وتحديدًا مع مجموعة “فاغنر” الروسية. في مناطق النزاع مثل ليبيا، يُعتقد أن “فاغنر” تدير عمليات عسكرية بالوكالة، الأمر الذي يثير قلق الدول الغربية. إن دعم الإمارات لقوات حميدتي قد يكون جزءًا من تحالفات غير معلنة تشمل هذه المجموعة العسكرية الخاصة، ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويعكس الانقسام بين القوى الكبرى على النفوذ في المنطقة. التعاون مع “فاغنر” قد يوسع التنافس الإقليمي بين الإمارات من جهة والسعودية والولايات المتحدة من جهة أخرى، بما قد يُفضي إلى مزيد من التوترات في علاقات هذه القوى.
المواقف الدبلوماسية والمخاوف من تأثيرات إقليمية أوسع
على الرغم من أن تشاد تمثل لاعبًا مهمًا في هذا السياق، إلا أن الإمارات قد تواجه تحديات في علاقاتها مع الحكومة التشادية إذا استمرت في دعم قوات حميدتي. تشاد، باعتبارها شريكًا مهمًا للغرب في محاربة النفوذ الروسي، قد تجد نفسها في وضع صعب إذا وجدت نفسها مضطرة لموازنة علاقاتها مع الإمارات ومع القوى الغربية. هذا الأمر قد يؤثر بشكل أكبر على النفوذ الإماراتي في منطقة البحر الأحمر.
طريق مليء بالتحديات
إن دعم الإمارات لقوات الدعم السريع في السودان يعكس خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز المصالح الاقتصادية والأمنية، خاصة فيما يتعلق بالموارد الطبيعية والموقع الجغرافي الحيوي للسودان. لكن هذه الخطوة تضع الإمارات في مواجهة مع تحديات كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي. في الوقت الذي تسعى فيه الإمارات إلى الحفاظ على نفوذها في منطقة البحر الأحمر، فإنها قد تجد نفسها في مأزق دبلوماسي، حيث تتزايد الضغوط الدولية عليها للحد من دعم قوات يُتهم أفرادها بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.
الأسابيع المقبلة ستكشف عن مدى قدرة الإمارات على الموازنة بين مصالحها الإستراتيجية والحفاظ على صورتها في المجتمع الدولي، وسط هذا الصراع المعقد والممتد في السودان.



